أنوار السجّاد (ع)


سلسلة الدروس الثقافية


 

المقدمة
الدرس الأول : زبور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الدرس الثاني : حسن الخلق
الدرس الثالث : الوفاء بالوعد
الدرس الرابع : كتمان السر
الدرس الخامس : أمانة الوقت
الدرس السادس : التواضع
الدرس السابع : الإيثار
الدرس الثامن : كظم الغيظ
الدرس التاسع : القناعة
الدرس العاشر : كف الأذى
الدرس الحادي عشر : السّماح والعفو
الدرس الثاني عشر : الحياء والعفاف





المقدمة

  بسم الله الرحمن الرحيم‏
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين‏
 

وبعد،

بعد أن وفّقنا اللَّه تعالى لإعداد واصدار الكتاب الأول من السلسلة الفصلية للدروس الثقافية وكان يمثل قبسات من الآيات بما تعكسه من مضامين أخلاقية رائدة في حياة المؤمنين وترك صداه فيما لمسناه من الاخوة المدرسين والدارسين وكان يمثّل دروساً من القرآن الكريم.

فها نحن اليوم نقوم بإصدار الكتاب الثاني وهو عبارة عن دروس مستفادة من الصحيفة السجادية التي تعتبر دستوراً جامعاً لأسس الصلاح والاصلاح ومنهجاً سامياً للوصول إلى السعادة في عالم الدنيا والآخرة.

كاشفين بذلك الغطاء عن بعض الكنوز التي يحتوي عليها هذا السفر الخالد.

فتعالوا معاً نسير بأنوار السجاد عليه السلام وفي ظل شمسه الطالعة التي لا يطفأ نورها إلى الأبد، وننعم بحرارتها فنبلغ ما أراده اللَّه تعالى منّا وما التوفيق إلا من عند اللَّه تعالى.


  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
 

جمعية المعارف الإسلامية الثقافية 






 

الدرس الأول : زبور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم

« يا مولاي  أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي، لا يشركك أحد في رجائي، ولا يتفق أحد معك في دعائي، ولا ينظمه وإياك ندائي (1) ... اللهم فها أنا قد جئتك مطيعاً فيما أمرت به من الدعاء، منجزاً وعدك فيما وعدت به من الإجابة، إذ تقول: ادعوني أستجب لكم (2) ... إلهي أدعوك فتجيبني وإن كنت بطيئاً حين تدعوني وضعت عندك سري، فلا أدعو سواك ولا أرجو غيرك لبيك لبيك تسمع من شكا إليك» (3)

الصحيفة السجادية

أ - في رحاب الدعاء:

في هذه القطعة الشريفة بيان من سيد العابدين عليه السلام لجملة أمور هي:

أولاً: اختصاص الدعاء باللَّه تعالى وقصره عليه، فلا يسوغ دعاء غيره مهما عظم شأنه يقول سبحانه: «فلا تدعوا مع اللَّه أحداً» (4) ولا إشراكه معه.

ثانياً: وجود أمر إلهي بالدعاء ووعد رباني بالإجابة كما هو صريح الآية.

ثالثاً: إن اللَّه عزّ وجلّ قريب ممن دعاه وناجاه يسمع من شكا إليه إذا قصر رجاءه عليه ولم يدع سواه يقول عزّ من قائل: «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان» (5)

ومما جاء في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: «اعلم أن الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفل لاجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه.. ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه (6) والدعاء سلاح المؤمن ومفتاح الرحمة ونور السماوات والأرض ومخّ العبادة ».

لذلك إِن أهمية الدعاء غير خفية على أحد لما نزل في الكتاب وورد في الروايات وقد تقدم الكلام في الاصدار الأول (صدى الآيات) فالذي نريد تسليط الضوء عليه هنا هو ما تمثّله أدعية الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام من دور بنّاء ضروري في حياة المؤمن لما تحمله من أساليب ومعاني راقية في دعاء المولى سبحانه وبنفس الوقت هي دستور حياتي في المثل والأخلاق والفضائل يتربّى على مبادئها كل إنسان يريد الكمال وبلوغ الذروة في خط الإنسانية.

ب  حكاية الصحيفة السجادية:

جاء في سيرة الإمام السجاد عليه السلام أنه كان يخطب الناس في كل جمعة ويعظهم ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة ناشراً بينهم ألوان الدعاء والحمد والثناء التي تمثل العبودية المخلصة للَّه تعالى فكانت الصحيفة السجادية التي جمعت أدعيته ومناجاته وابتهاله والقيم العالية والتي سميت بإنجيل أهل البيت عليهم السلام وزبور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما ضمت من مبادى‏ء الأخلاق والحقوق والواجبات والآداب تعالج مشاكل الفرد والمجتمع وتنشر أجواء روحية تدعو إلى الثبات عندما تعصف المغريات وتشد الإنسان إلى ربه حينما تجرّه الأرض إليها. وليس للمؤمن غنى عنها في كل مفاصل حياته ظالماً أراد السير على الصراط المستقيم.

ولنعرف ما لها من مكانة رائدة في سماء العلياء نطلع على ما ذكره علماؤنا الأبرار (رضوان اللَّه عليهم).

1 - صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه يرشد إلى الصحيفة:

يذكر والد العلامة المجلسي (ره) أن الأسانيد المعتبرة التي تناقل علماؤنا الصحيفة السجادية بها تزيد على الآلاف ويقول أنه ذات يوم رأى صاحب الزمان وخليفة الرحمان‏عجل الله تعالى فرجه في الرؤيا وطلب منه أن يعطيه كتاباً يعمل عليه فأرشده الإمام عجل الله تعالى فرجه إلى الصحيفة السجادية لتكون الدستور والمنهج الذي يدور عمله عليه.

2 - مفخرة الإسلام:

مما جاء في وصية الإمام الخميني رحمه الله افتخاره الكبير بزبور آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال فيها: نحن فخورون بأن الأدعية التي تهب الحياة والتي تسمى بالقرآن الصاعد هي من أئمتنا المعصومين عليهم السلام نحن نفخر بأن منا مناجاة الأئمة عليهم السلام الشعبانية ودعاء عرفات للحسين بن علي عليه السلام والصحيفة السجادية زبور آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم.

3 - جامعة العلوم الإلهية:

بهذا التعبير الرائع ختم الشيخ محمد تقي المجلسي (ره) كلامه عن أسانيدها قائلاً: والحاصل أنه لا شك في أن الصحيفة الكاملة عن مولانا سيد الساجدين بذاتها وفصاحتها وبلاغتها واشتمالها على العلوم الإلهية التي لا يمكن لغير المعصوم الإتيان بها والحمد للَّه رب العالمين على هذه النعمة الجليلة  العظيمة التي اختصت بنا معشر الشيعة.

4 - تراث رباني محمدي علوي‏

مما جاء في كلام الشهيد المقدس السيد محمد باقر الصدر (رض) حول الصحيفة المباركة: «وهكذا نعرف أن الصحيفة السجادية تعبر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام عليه السلام إضافة إلى كونها تراثاً ربانياً فريداً يظل على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظل الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمدي العلوي وتزداد حاجة كلما ازداد الشيطان اغراء والدنيا فتنة».

فاللازم أن نحمل هذه الصحيفة المباركة وسيلة اتصال باللَّه تعالى، ومنطق حق نتعامل به مع الآخرين، ومدرسة فضيلة نتربّى من خلالها وعليها نربّي صغارنا وأجيالنا وإليها نحتكم حينما تعصف رياح الفتن، لأنها دليل إلى سبيل الصلاح والإصلاح ومفتاح إلى النجاح والفلاح ودستور إلهي يعمل به كرام الناس، مع ما حوت من علاج لكل موقف ودواء لكل داء سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، فإلى تلك المباني الجليلة والمعاني الجليلة سيظل أهل الولاية وأحباء زين العابدين عليه السلام ينشدون مدى الحياة، يرفعون كتاب الوحي على رؤوسهم وبأيديهم سفران خالدان: نهج البلاغة لأمير المؤمنين‏عليه السلام والصحيفة السجادية لسيد العابدين عليه السلام.

لتكون هذه الكتب الثلاثة نهج نجاتهم ونظام حياتهم.

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم الأدعية التي يدعي الكاتبون أنها من كتب أدعية قديمة؟ وهل هذه الأدعية معتبرة شرعاً؟ وما هو حكم الرجوع إليها؟

ج: لو كانت الأدعية مأثورة ومروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أو كانت مضامينها حقة فلا بأس بالتبرك بها، كما لا بأس بالتبرك بالمشكوك منها برجاء كونها عن المعصوم عليه السلام.

 س: هل تصح الاستخارة أكثر من مرة في مورد واحد؟

ج: حيث أن الاستخارة لرفع الحيرة، فبعد ارتفاعها بالمرة الأولى لا معنى لتكرارها إلا إذا تغير الموضوع.

 س: يشاهد أحياناً مكتوبات تحتوي مثلاً على عنوان معجزة الإمام الرضا عليه السلام توزع على الناس عن طريق جعلها فيما بين أوراق كتب الزيارات الموجودة في المزارات والمساجد وقد كتب ناشرها في ذيلها أن على من قرأها أن يكتبها كذا مرة ويوزّعها على الناس فإنه يصل بذلك إلى حاجته، فهل هذا الأمر صحيح؟ وهل يجب على من قرأها أن يستنسخها كما طلب منه الناشر؟

ج: لا حجة على اعتبار مثل هذه شرعاً وليس من يقرأها ملزماً باستجابة طلب ناشرها باستنساخها (7).

خلاصة الدرس 

أ - الدعاء مخ العبادة، وقد حثّ الكتاب الكريم والروايات المباركة عليه حيث من خلاله تكون الصلة مع الخالق تعالى ويتغذى الإنسان من الجوانب المعنوية والروحية.

ب - من أرقى مجامع الأدعية، الصحيفة السجادية زبور آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم لاشتمالها على شتى الأمور الحقوقية والأخلاقية وفنون الدعوات والمناجاة بأرقى التعابير وأجمل الأساليب.

ج - تعتبر الصحيفة السجادية مفخرة الإسلام وجامعة العلوم الإلهية وتراثاً ربانياً محمدياً علوياً إليه أرشد صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه وينبغي أن تكون حاضرة في صدور المسلمين وأقوالهم وأفعالهم كدستور حياة ومدرسة أخلاق للفرد والمجتمع.

أسئلة حول الدرس

1 - ما الذي يريد تأكيده الإمام زين العابدين عليه السلام في الفقرة المتقدمة من دعائه؟

2 - ماذا تمثل لك الصحيفة السجادية؟

3 - ماذا تعرف عن أسانيدها.

4 - كيف ينظر صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه إليها؟

5 - ماذا قال الإمام الخميني رحمهم الله عنها؟

6 - ما علاقتها بالعلوم الإلهية؟

7 - ماذا يعتبرها الشهيد الصدر (ره)؟

8 - كيف يجب أن نحفظها؟

للحفظ

قال تعالى: « وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين » (8).

عن الصادق عليه السلام: « عليك بالدعاء فإن فيه شفاء من كل داء » (9).

للمطالعة 

ثعبان يدل على كنز

ينقل أن عماد الدولة وكان في القرن الرابع الهجري دخل إلى مدينة شيراز مع (12) ألف جندي وهو لا يملك شيئاً من المال، والحاكم الذي لا يملك المال يكون على الإضمحلال والسقوط. كان الوقت شتاءاً والجنود لا يملكون شيئاً من الملابس وقد تأخر إعطاؤهم المعاش فاجتمع إليه الجنود يطالبونه بالمعاش وملابس للشتاء مضافاً إلى ذلك أن الأعداء كانوا له بالمرصاد خارج مدينة شيراز فضاق على عماد الدولة البويهي الأمر فتحيّر في أمره فهو إن لم يهيى‏ء الملابس الشتوية لجيشه فسوف يخسر قوته وينهزم من موقعهِ ففكر أن يتوجه إلى اللَّه تعالى فوقف في صلاة الليل بخشوع وبعد الصَّلاة بكى بكاءاً كثيراً وانقطع إلى اللَّه سبحانه وتعالى ثم طلب من اللَّه حاجته، وبينما هو في تلك الحالة نظر إلى السقف وإذا بثعبان خرج من ثقب الحائط ودخل في ثقب آخر. فقال لحراسه أخرجوا الثعبان من السقف فلما أرادوا ذلك وجدوا في الثقب كنزاً كبيراً من الذهب والفضة.

فقال عماد الدولة: أرسلوا وراء رئيس الخياطين ليخيط ملابس للجيش بهذه الأموال التي عثروا عليها، وكان من حسن الصدف أن ذلك الحاكم السابق الذي فرَّ من يد عماد الدولة قد أمّن عند الخياط (12) صندوقاً من المال. فظن الخياط أنّ عماد الدولة قد عرف بأمر الأموال والصناديق فخاف كثيراً، ولمّا أحضروه أمام عماد الدولة، أمره وجميع الخياطين في شيراز وخلال أسبوع أن يخيطوا (12) ألف بدلة شتائية للجند، فظنّ رئيس الخياطين أن عماد الدولة يقول له عندك كذا وكذا من الصناديق التي تركها الحاكم الفار. فقال رئيس الخياطين: واللَّه لم يكن عندي إلاّ (12) صندوقاً من مال الحاكم الفار وهو يرتعد خوفاً.






 

الدرس الثاني : حسن الخلق

 «اللهم صلّ‏ِ على محمد وآله، وحلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في بسط العدل، وكظم الغيظ، واطفاء النائرة، وضم أهل الفرقة، واصلاح ذات البين، وإفشاء العارفة، وستر العائبة ولين العريكة، وخفض الجناح، وحسن السيرة، وسكون الريح، وطيب المخالقة، والسبق إلى الفضيلة، وإيثار التفضل» (10).

الصحيفة السجادية

أ - في رحاب الدعاء:

يعرّفنا الإمام زين العابدين عليه السلام  من خلال هذه الفقرة الرائعة من دعائه في مكارم الأخلاق على الأسس والخطوط العامة المرتبطة بالصلاح والإصلاح التي من خلالها يمكن للإنسان أن يسلك خطّ الإيمان في العمل سواء في علاقته مع ربه سبحانه أو مع نفسه أو مع الناس وأن يكون داعياً إلهياً بتجسيد تلك المفاهيم التي كانت لأجلها الرسالة وعمل لها الأنبياء والأولياء على امتداد أعمارهم ومهامهم فعن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (11) وفي هذا السبيل كان من عطاءاتهم ما يفوق تصورنا ومن تضحياتهم ما يعجز عنه الكثير منّا، وما ذلك إلا لعظمة وقداسة هذا الأمر بما يحمل من أبعاد في الحياة.

ومن جملة ما ورد في هذا الدعاء المبارك (حسن الخلق) الذي عبَّر عنه عليه السلام  بطيب المخالقة: وهو موضوع حديثنا في هذا الدرس وعليه نسلّط الضوء من خلال الاستعانة بالمأثور عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وعترته الطاهرة عليهم السلام  ضمن الحديث عن أهميته وما يترتب عليه في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة.

ب - الإسلام وحسن الخلق:

اختصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم المسافة في مقام بيانه لأهمية الخلق الحسن ومكانته في الدين الحنيف بثلاث كلمات هي: «الإسلام حسن الخلق» كاشفاً في هذا التعريف عن المعنى الكبير والدور المحوري لبناء الشخصية الإسلامية عبر الأخلاق الفاضلة وأنه بالابتعاد عنها واتباع الرذائل لا يمكن أن نجد الإسلام الذي جاءنا به حياً نابضاً في النفوس، بل على العكس إِن التخلي عن مكارم الأخلاق واتباع سبيل الهوى، وهجران العمل بالواجبات والسنن يعتبر حرباً على الإسلام وإن كان دون التفات إلى هذا الواقع الخطير.

ومما يؤكد على أهمية حسن الخلق أنه إذا أردنا أن نتعرف على المؤمن فليس المطلوب هو الاطلاع على هويته الشخصية ومعرفة انتمائه إلى أي بلد أو عائلة وتفصيل نسبه وإنما المطلوب أن نقرأ عنوان صحيفته وهو حسن الخلق فإنه كاف ووافٍ في التعريف عنه يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه» (12).

وعن الإمام الحسن عليه السلام : «أن أحسن الحسن الخلق الحسن» (13).

وفي الحديث: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» (14).

ج - ما هو حسن الخلق؟

الخَلق والخُلق عبارتان مستعملتان يقال: فلان حسن الخَلق والخُلق أي حسن الظاهر والباطن، فيراد بالخلق الصورة الظاهرة، ويراد بالخُلق الصورة الباطنة وهي عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن صدرت عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً سميت الهيئة خُلقاً حسناً، وإن صدرت منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً (15).

وقد فسّره أهل البيت عليهم السلام  من خلال الإشارة إلى المصاديق بطريقتهم السهلة غير المعقّدة التي تصف الدواء لكل داء وتشكّل الحل في الجانب الخلقي فأوضحوا موارد عديدة لحسن الخلق منها:

1 - البدء بالتحية:

 يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «إن بذل التحية من محاسن الأخلاق» (16).

2-  ترك الغضب:

« جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من بين يديه فقال: يا رسول اللَّه ما الدين؟ فقال: حسن الخلق، ثم أتاه عن يمينه فقال: ما الدين؟ فقال: حسن الخلق، ثم أتاه من قبل شماله فقال: ما الدين؟ فقال: حسن الخلق، ثم أتاه من ورائه، فقال: ما الدين؟ فالتفت إليه وقال: أما تفقه؟ الدين هو أن لا تغضب» (17).

3 - اجتناب الحرام:

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «حسن الخلق في ثلاث: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسّع على العيال» (18).

4 - لين الجانب:

 وهو عبارة عن التواضع وعدم التكلف في المعاشرة.

5 - طيب الكلام:

وهو اختيار الكلمات التي تؤدي إلى نمو المودة ومراعاة آداب الخطاب.

6 - اللقاء بالبشر:

وهو ابداء السرور والارتياح وطلاقة الوجه بخلاف العبوس والانزعاج.

في الحديث عن الصادق عليه السلام  لما سئل عن حد حسن الخلق؟: «تلين جانبك، وتطيّب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن» (19).

7 - الإلفة والمودة:

 يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه قال: احاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون» (20).

والذي يجمع ما تقدم أن حسن الخلق هو مراعاة الحقوق والآداب التي حثّ عليها الإسلام في التعامل مع الآخرين إضافة إلى القيام بالواجبات الشرعية والالتزام بالتكاليف الإلهية الموجهة إلى الفرد والمجتمع.

د - ما يترتب على حسن الخلق؟

إن الذي يترتب على حسن الخلق من ثمرات وآثار غير مختص بأحد العالمين دون الآخر بل يشمل كلا العالمين الدنيوي والأخروي، فلنبحر في سفينة العترة الطاهرة عليهم السلام  مع وقع كلامهم عليهم السلام  بما فيه من روعة البيان وجميل المعاني.

* الآثار الدنيوية:

1 - زيادة الرزق:

 عن الصادق عليه السلام : «حسن الخلق يزيد في الرزق» (21) وفي الحديث: «في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق» (22).

2 - طول العمر:

كما جاء في الحديث: «إن البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (23).

3 - كثرة المحبّين:

يقول النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم: «من حسن خلقه كثر محبوه وآنست النفوس به» (24).

4 - ذهاب الخطيئة: في الحديث:

 «الخلق الحسن يميت الخطيئة كما تميت الشمس الجليد» ((25).

*  الآثار الأخروية:

1 - ثواب المجاهد:

عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إن اللَّه تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل اللَّه يغدو عليه ويروح» (26).

2 - عظيم الدرجات:

 عنه صلى الله عليه و آله و سلم:

«أن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف العبادة» (27).

3 - أثقل ما يوضع في الميزان:عنه صلى الله عليه و آله و سلم:

«ما من شي‏ء أثقل في الميزان من خلق حسن» (28).

4 - أجر الصائم القائم: في الحديث:

 «إن صاحب الخلق الحسن له مثل أجر الصائم القائم» (29).

هـ  حسن الخلق وظيفة عامة:

قد يقال إن الخلق الحسن أمر مطلوب ولكن ليس مع جميع الناس وإنما خاصة مع المؤمنين أو مع فئة معينة وهذا ليس بصحيح لأن تعاليم أهل البيت عليهم السلام  أكدت على ضرورة تحلينا بهذه الفضيلة مع الجميع ومما أوصانا به أمير المؤمنين عليه السلام  أنه قال: حسّن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا إليك وإذا مت بكوا عليك وقالوا: «إنا للَّه وإنا إليه راجعون» ولا تكن من الذين يقال عند موتهم: «الحمد للَّه رب العالمين» (30).

من فقه الإسلام

س: هل يجب رد سلام الأطفال؟

ج: يجب رد سلام الأطفال المميزين من الذكور والإناث كما يجب رد سلام الرجال والنساء.

 س: لو سمع شخص السلام ولم يرده لغفلة أو لأي سبب آخر بحيث حصل فصل قليل فهل يجب الرد بعد ذلك؟

ج: لو كان التأخير بمقدار لا يصدق معه جواب السلام ورد التحية لم يجب.

س: لو سلم شخص على جماعة قائلاً: السلام عليكم جميعاً وكان أحدهم يصلي فهل يجب عليه الرد حتى ولو رد الحاضرون؟

ج: لا يجوز ردها إذا كان في الصلاة، وأما لو لم يكن في الصلاة فالأحوط الرد إذا كانت قولاً وعدت عرفاً تحيته.

 س: لو سلم شخص عدة مرات في وقت واحد، أو سلم عدة أشخاص فهل يكفي الرد مرة واحدة للجميع؟

ج: في الأول يكفي الجواب مرة واحدة، وفي الثاني يكفي الجواب الواحد بصيغة تشمل الجميع بقصد رد سلامهم.

 س: يلقي أحد الأشخاص التحية بلفظ (سلام) بدلاً عن (سلام عليكم) فهل رد سلامه واجب؟ وإذا قال غير البالغ (سلام عليكم ) فهل يجب رد التحية؟

ج: إذا صدق عليه عرفاً أنه تحية وسلام وجب الرد وإذا كان ملقي السلام طفلاً مميزاً فيجب رد السلام (31).

خلاصة الدرس

أ - إن الهدف الأسمى لرسالات الأنبياء هو انتشار مكارم الأخلاق حتى قال النبي‏صلى الله عليه و آله و سلم: «الإسلام حسن الخلق».

ب - لا يكون الشخص مؤمناً ما لم يكن صاحب خلق حسن لأن حسن الخلق عنوان صحيفة المؤمن.

ج - حسن الخلق هو هيئة النفس الراسخة التي تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً.

د - من مصاديق حسن الخلق: ترك الغضب، البدء بالتحية، اجتناب الحرام، لين الجانب، طيب الكلام، اللقاء بالبشر والإلفة والمودة.

ه - للأخلاق الحسنة آثار مهمة وهي: زيادة الرزق، طول العمر كثرة المحبين، ذهاب الخطيئة وهذه بأجمعها في الدنيا وأما في الآخرة فهي: ثواب المجاهدين، الدرجات العظيمة، أثقل ما يوضع في الميزان وأجر الصائم القائم.

و - حسن الخلق مطلوب حتى مع غير المؤمنين.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدث عن أهمية حسن الخلق؟

2 - ما العلاقة بين الإيمان والخلق الحسن؟

3 - اذكر عدة مصاديق لحسن الخلق؟

4 - ما هي الآثار الدنيوية والأخروية للخلق الحسن؟

5 - هل الأخلاق الحسنة مطلوبة مع غير المؤمنين؟

للمطالعة

قال تعالى: «ألم تر كيف ضرب اللَّه مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء» (32).

عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً وأشدّكم تواضعاً» (33).

 النبي صلى الله عليه و آله وسلم مع ابنة حاتم الطائي‏

ذُكر أن عدي ابن حاتم الطائي كان يعادي النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فبعث النبي صلى الله عليه و آله و سلم علياً إلى طي، فهرب عدي بأهله وولده ولحق بالشام، وخلّف أُخته سنانة فأسرتها خيل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فلما أُتي بها إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم قالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الرافد، فإن رأيت أن تخلّي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه؛ يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكَلّ، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فردّه خائباً، أنا بنت حاتم الطائي.

قال لها النبي صلى الله عليه و آله و سلم: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحّمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.

وقال فيها: «ارحموا عزيزاً ذل وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال».

فأطلقها ومنّ عليها، فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها، وقال لأصحابه اسمعوا وعوا، فقالت: أصاب اللَّه ببرّك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلاَّ وجعلك سبباً في ردّها عليه.

فلما أطلقها صلى الله عليه و آله و سلم رجعت إلى قومها، فأتت أخاها عدياً وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي أئت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً سيغلب أهل الغلبة رأيت خصالاً تعجبني. رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه صلى الله عليه و آله و سلم. وإني أرى  أن تلحق به، فإن يك نبياً فللسابق فضله، وإن يك ملكاً فلن يذل في عز اليمن، فقدم عدي إلى النبي‏صلى الله عليه و آله و سلم فألقى له وسادة محشوة ليفاً، وجلس النبي صلى الله عليه و آله و سلم على الأرض، فأسلم عدي بن حاتم، وأسلمت سنانة بنت حاتم المتقدم ذكرها، وكانت من أجود نساء العرب».

(الموعظة الحسنة لعلي حيدر)






 

الدرس الثالث : الوفاء بالوعد

 يا من وعدهم ( أي ) خلقه على نفسه بتفضله حسن الجزاء ... (34) رب قد أوقفت نفسي موقف الأذلاء المذنبين ، موقف الأشقياء المتبحرين عليك المستخفين بوعدك ... (35)

الصحيفة السجادية

أ - في رحاب الدعاء:

في هذه الفقرة الشريفة يشير الإمام عليه السلام  إلى آفة من آفات التعامل مع الوعد، ألا وهي الاستخفاف بالوعد الإلهي حيث ورد النهي عنه في الكتاب الكريم، يقول سبحانه: «فاصبر إن وعد اللَّه حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» (36) فلا يحق لنا أن نستخف بما وعدنا اللَّه تعالى وأعدّه لعباده الصالحين سواء في هذا العالم كالنصر على الأعداء والتسديد في ميادين الجهاد وساحات العمل أو في العالم الآخر من الجزاء المقيم والعطاء الكريم.

وهناك مشكلة أخرى تكمن في الوعد الذي يكون بين الناس، فلا يجدون صدقاً ووفاء فيما بينهم حيث لا يفي الرجل بما وعد، ولا يعمل على ما عاهد، مما يؤدي إلى انتشار البغضاء والعداوة، وسقوط البعض منهم، وعدم الانتظام إلا الذي يراعون هذا الحق ويلتزمون بهذا الواجب الذي مدح اللَّه تعالى به نبيّه إسماعيل عليه السلام  وأثنى عليه في قوله عزّ من قائل: «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً» (37)، ومما قاله النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «العدة دين ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل لمن وعد ثم أخلف» (38).

وللأسف الشديد فإن الكذب بالوعد يشكل ظاهرة شائعة خصوصاً في بعض الأوساط، وهو ما يدعونا إلي ايضاح أهمية الوفاء والصدق بالوعد عبر الكتاب والسنّة والتنبيه على المخاطر والشوائب الناتجة عن عدم الالتزام والاستخفاف به، مع أن الذي يجب أن ينتشر هي تلك الصورة البيضاء الناصعة لعدة المؤمن كما رسمها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم حيث قال: عدة المؤمن دين وعدة المؤمن كالأخذ باليد (39)، وفي الحديث: «وعد الكريم نقد وتعجيل، وعد اللئيم تسويف وتعليل» (40).

ب - كيف نتعامل مع الوعد؟

تتمثل مشكلة عدم الوفاء في أمرين هما:

الأول: أن يعد المؤمن أخاه وهو قادر على الوفاء ثم لا يفي.

الثاني: أن يعده وهو عالم أنه غير قادر على الوفاء من البداية ولا شك أنه ينبغي تلافي الأمر الأول طالما لم يطرأ عجز غير متوقع وإلا كان الإنسان معذوراً إذا عجز بعد أن كان قادراً ويجمل في هذه الحالة اطلاع الآخر على حقيقة ما جرى، وأن يحمل المؤمن في نفسه همّ الوعد يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «ما بات لرجل عندي موعد قط فبات يتململ على فراشه ليغدو بالظفر بحاجته، أشد من تململي على فراشي حرصاً على الخروج إليه من دين عدته، وخوفاً من عائق يوجب الخلف، فإن خلف الوعد ليس من أخلاق الكرام» (41) .

وعن الرضا عليه السلام : «إنا أهل بيت نرى ما وعدنا علينا ديناً كما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم» (42)

وكذلك ينبغي تلافي الأمر الثاني وهو الوعد مع العلم بعدم القدرة على الوفاء لأنه قبيح ونوع من أنواع الكذب وقد نهانا الإسلام عن ذلك نهياً شديداً قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ء كبر مقتاً عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون» (43)

وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها» (44)

ومما قاله الصادق عليه السلام : «لا تعدن أخاك وعداً ليس في يدك وفاؤه» (45)

وقد جمع أحد الشعراء الموقف المطلوب في بيتين من الشعر قائلاً:

حسن قبل نعم قولك لا     وقبيح قول لا بعد نعم‏

إن لا بعد نعم فاحشة     فبلا فابدأ إذا خفت الندم‏

ومما ورد في ذم الخلف بالوعد ما كتبه أمير المؤمنين عليه السلام  للأشتر لما ولاّه مصر: «وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيّد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان والتزيّد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند اللَّه والناس قال اللَّه تعالى: «كبر مقتاً عند اللَّه أن تقولوا ما لا تفعلون» (46)

ج - الوعد والصغار:

ربما يتراءى أنه ليس هناك ضرر في أن يعد الرجل أطفاله ثم يخلف منهم خاصة فيما إذا ألجوا في الطلب ورغبوا بأشياء لا يحب أن يجيبهم إليها بدعوى أنه الذي يمسك بزمام أمورهم وله المونة عليهم، فما هي ردّة فعلهم يا ترى طالما أنه فوق رؤوسهم؟! وقد يبرّر بعض الناس هذا السلوك الخاطى‏ء في التعامل مع الصغار بأن ابقاءهم على أمل الاستجابة لهم خير من ردعهم ومنعهم من أول الطريق تخلصاً من تذمرهم أو بكائهم المؤدي إلى ازعاجه.

والصحيح أن هذه الطريقة لا تتصل بالمنهج التربوي الذي تدعونا إليه الأخلاق الإسلامية ومدرسة أهل البيت عليهم السلام  حيث يقول مولانا الكاظم عليه السلام : «إذا وعدتم الصغار فأوفوا لهم، فإنهم يرون أنكم أنتم الذين ترزقونهم، وإن اللَّه لا يغضب لشي‏ء كغضبه للنساء والصبيان» (47).

لذلك يبقى الخلف بالوعد على قبحه سواء كان مع الكبار أو مع الصغار.

د - خلف الوعد والنفاق:

يقول النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «أربع من كن فيه فهو منافق وإن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (48).

النبي صلى الله عليه و آله و سلم يجعل الخلف بالوعد نفاقاً حيث إن النفاق ليس إلا أن يظهر الإنسان غير ما يضمر حقيقة وبالتالي فالمسافة بين خلق الوعد والنفاق أقرب مما قد نظن.

هـ - الوعد في سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

ينقل المحدثون عدة وقائع ترتبط باهتمام النبي صلى الله عليه و آله و سلم الشديد بالحفاظ على الوفاء بالوعد مكاناً وزماناً وتحمله المتاعب لقاء ذلك، نذكر منها نموذجين فقط علّنا نقتدي به ونستفيد من سيرة حياته المباركة.

 النموذج الأول: يقول أحدهم: بايعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ببيع قبل أن يبعث، فبقيت له بقية ووعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك» (49).

 النموذج الثاني: ما قاله مولانا الصادق عليه السلام : «إن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم واعد رجلاً إلى الصخرة  فقال: أنا لك ها هنا حتى تأتي قال: فاشتدت الشمس عليه، فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه لو أنك تحولت إلى الظل، قال: وعدته ها هنا وإن لم يجي‏ء كان منه المحشر» (50).

و - إسماعيل عليه السلام  وصدق الوعد:

هناك سؤال يتوجه أنه لماذا سمي إسماعيل عليه السلام  صادق الوعد في القرآن الكريم ولم تطلق هذه التسمية على غيره في الآيات مع أننا لا نشك  في أن جميع الأنبياء عليهم السلام  كانوا صادقي الوعد.

والجواب يأتينا من مولانا الصادق عليه السلام  قائلاً: «إنما سمي إسماعيل عليه السلام   صادق الوعد لأنه وعد رجلاً في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسماه اللَّه عزّ وجلّ صادق الوعد ثم قال: إن الرجل أتاه بعد ذلك فقال له إسماعيل عليه السلام : ما زلت منتظراً لك» (51).

من فقه الإسلام

س: هل يحتاج العهد في انعقاده إلى صيغة معينة أو يكفي مجرد النية؟

ج: لا ينعقد العهد بمجرد النية بل يحتاج إلى الصيغة على الأقوى وصورتها عاهدت اللَّه، أو عليّ عهد اللَّه.

 س: هل يشترط أن يكون العهد معلقاً على شي‏ء أو لا؟

ج: يقع العهد مطلقاً، ومعلقاً على شرط كالنذر، والظاهر أنه يعتبر في المعلق عليه إن كان مشروطاً ما اعتبر فيه في النذر المشروط.

س: هل يعتبر في العهد ما يعتبر في اليمين أن لا يكون مرجوحاً ديناً أو دنيا؟

ج: ما عاهد عليه هو بالنسبة إليه كاليمين يعتبر فيه أن لا يكون مرجوحاً ديناً أو دنيا، ولا يعتبر فيه الرجحان فضلاً عن كونه طاعة، فلو عاهد على فعل مباح لزم ولو عاهد على فعل كان تركه أرجح أو على ترك أمر كان فعله أولى ولو من جهة الدنيا لم ينعقد، ولو لم يكن كذلك حين العهد ثم طرأ عليه ذلك انحل.

 س: هل هناك كفارة واجبة حال مخالفة العهد؟

ج: مخالفة العهد بعد انعقاده توجب الكفارة والأظهر أن كفارتها كفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان (52).

خلاصة الدرس 

أ - إن الاستخفاف بالوعد الإلهي أو عدم الوفاء بالوعد بين الناس من الأخلاق الرذيلة التي حذر منها الإسلام الحنيف، معتبراً أن الوعد دين في رقبة المؤمن وعليه أن يكون صادقاً في ذلك.

ب - في بعض الأحيان يكون الخلف بالوعد ناتجاً عن عدم القدرة بالوفاء منذ البداية، فهنا المطلوب أن يكون الإنسان واقعياً مع نفسه وغيره وأن لا يعد من أول الأمر.

ج - كما لا ينبغي الخلف بالوعد مع الكبار كذلك الأمر مع الصغار لأنه أسلوب مرفوض إسلامياً وتربوياً.

د - خلف الوعد خصلة من خصال النفاق.

هـ - سمي إسماعيل عليه السلام  صادق الوعد في القرآن لأنه انتظر من واعده سنة كاملة.

أسئلة حول الدرس

 1 - كيف ينظر الإسلام إلى مسألة الحلف بالوعد؟

2 - ما منشأ مشكلة الكذب بالوعد؟

3 - ما هو السلوك الذي ينبغي حين لا يكون الإنسان قادراً على الوفاء؟

4 - بماذا تأمرنا مدرسة أهل البيت عليهم السلام  حينما نعد الصغار؟

5 - ما هي العلاقة بين الوعد والنفاق؟

6 - اذكر نموذجاً واحداً من حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم حول الوعد؟

7 - لماذا سمي النبي إسماعيل عليه السلام  صادق الوعد؟

للحفظ

قال تعالى: «أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً» (53).

عن الصادق عليه السلام : «إن عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف اللَّه بدأ، ولمقته تعرض» (54).

للمطالعة

 الوفاء وحفظ العهد

* أوقف الباص لكي أصلّي وإلا رميت بنفسي منه!

نقل أحد المؤمنين، أنه سمع أحد الخطباء يقول: كنت جالساً في حافلة لأسافر إلى مدينة نائية من مدن إيران.

لم يكن على المقعد بجانبي أحد، وكنت أخشى أن يجلس من لا أرغب في جواره، فيضايقني في هذا الطريق البعيد. فسألت اللَّه تعالى في قلبي:

إلهي إن كان مقدراً أن يجلس عندي أحد، فاجعله إنساناً متديناً طيباً!

وهكذا جلس المسافرون على مقاعدهم، ولم أرَ من يشغل المقعد الذي بجانبي، فشكرت اللَّه أني وحيداً!

ولكني فوجئت في الدقيقة الأخيرة قبل الحركة!

بشاب يبدو عليه مظهر الهيبيز (جماعة من الناس لا تهتم بمظهرها) وبيده حقيبة صغيرة من صنع بلد أجنبي، وكأنه من غير ديننا، فتقدم حتى جلس عندي، وأنا أقول في قلبي: يا ربّ أهكذا تستجيبَ الدعاء؟!

تحركت السيارة ولم يتفوه أحد منا للثاني بكلمة، لأن الإنطباع المأخوذ في أذهان هؤلاء الأشخاص عن المعمّمين كان إنطباعاً سيّئاً، بفعل الدعايات المغرضة التي كانت تبثها أجهزة النظام الشاهنشاهي ضد علماء الدين. لذلك آثرت الصبر والسكوت وأنا جالس على أعصابي، حتى حان وقت الصلاة (أول وقت الفضيلة)، وإذا بالشاب وقف ينادي سائق الباص: قف هنا، لقد حان وقت الصلاة! فرد عليه السائق مستهزئاً وهو ينظر إليه من مرآته: إجلس، أين الصلاة وأين أنت منها، وهل يمكننا الوقوف في هذه الصحراء؟

قال الشاب: قلت لك قف وإلاّ رميتُ بنفسي، وصنعتُ لك مشكلة بجنازتي!

ما كنتُ أستوعب ما أرى من هذا الشاب، أنه شي‏ء في غاية العجب، فأنا كعالم دين أولى بهذا الموقف من هذا الشاب الهيبيز!

فعدم مبادرتي إلى ذلك كان إحترازاً عن الموقف العدائي الذي يكنّه البعض لعلماء الدين، لذلك كنت أنتظر لأصلي في المطعم الذي تقف عنده الحافلة في الطريق.

وهكذا كنت أنظر إلى صاحبي بإستغراب شديد، وقد اضطر السائق إلى أن يقف على الفور، لما رأى إصرار الشاب وتهديده.

فقام الشاب ونزل من الحافلة، وقمت أنا خلفه ونزلت، رأيته فتح حقيبته وأخرج قنينة ماء فتوضأ منها ثم عيّن إتجاه القبلة بالبوصلة وفرش سجادته، ووضع عليها تربة الحسين الطاهرة وأخذ يصلي بخشوع، وقدّم لي الماء فتوضأت أنا كذلك وصليت!

ثمّ صعدنا الحافلة، وسلّمت عليه بحرارة معتذراً من البرودة التي استقبلته بها أولاً، ثم سألته: مَن أنت؟

قال: أن لي قصة لا بأس أن تسمعها، فقد كنت لا أعرف الدين ولا الصلاة يوم كنت أدرس الطب في فرنسا، وأنا الولد الوحيد لعائلتي التي دفعت كل ما تملك لأجل دراستي هذه.

كانت المسافة بين سكني والجامعة التي أدرس فيها مسافة قرية إلى مدينة.

وكان الوقت بارداً جداً عندما ركبتُ السيارة التي كنت أستقلّها يومياً إلى المدينة مع ركاب آخرين، وكنت على موعد مع الإمتحان الأخير الذي تترتب عليه نتيجة جهودي كلّها.

فلما وصلنا إلى منتصف الطريق عطبت السيارة، وكان الذهاب إلى أقرب مصلِّح (ميكانيك) يستغرق من الوقت ما يفوّت عليّ الحضور في الإمتحانات النهائية للجامعة، لقد أرسل السائق من يأتي بما يحرّك سيارته وأصبحتُ أنا في تلك الدقائق كالضائع الحيران، لا أدري أتجه يميناً أو يساراً، أم يأتيني من السماء من ينقذني، كنتُ في تلك الدقائق أتمنى لو لم تلدني أمي، (وأن تشق الأرض لأخفي فيها نفسي)، إنها كانت أصعب دقائق تمرّ عليّ خلال حياتي وكأن الدقيقة منها سهم يرمى نحو آمالي، وكأني أشاهد أشلاء آمالي مقطعة أمامي، ولا يمكنني إنقاذها أبداً.

فكلما أنظر إلى ساعتي كانت اللحظات تعتصر قلبي، فكدتُ أخرّ إلى الأرض، وفجأة تذكرتُ أن جدتي في إيران عندما كانت تصاب بمشكلة أو تسمع بمصيبة، تقول بكل أحاسيسها: يا «صاحب الزمان».

هنا ومن دون سابق معرفة لي بهذه الكلمة وصاحبها ومعناها الاعتقادي، قلت بكل ما في قلبي وفكري من حبّ وذكريات عائلية: «يا صاحب زمان جدتي»!

ذلك لأني لم أعرف من هو (صاحب الزمان)، فنسبته إلى جدتي على البساطة، قلت: فإن أدركتني، أعدك أن أصلي دائماً وفي أول الوقت! وبينما أنا كذلك، وإذا برجل حضر هناك، فقال للسائق بلغة فرنسية: شغّل السيارة!

فاشتغلت في المحاولة الأولى، ثم قال للسائق: أسرع بهؤلاء إلى وظائفهم ولا تتأخر، وحين نزوله التفتَ إليّ وخاطبني بالفارسية:

لقد وفينا بوعدنا، يبقى أن تفي أنت بوعدك أيضاً! فاقشعرّ له جلدي وبينما لم أستوعب الذي حصل ذهب الرجل فلم أرَ له أثراً.

من هنا قرّرتُ أن أصلي وفاءً بالوعد، بل وأصلي في أول الوقت.






 

الدرس الرابع : كتمان السّر

« اللهم.. جيراني ومواليّ العارفين بحقنا، والمنابذين لأعدائنا.. وفقهم لإقامة سنتك والأخذ بمحاسن أدبك في.. كتمان أسرارهم (55) .. اللهم صل على محمد وآله واجعل القرآن.. لألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة مخرساً ولجوارحنا  عن اقتراف الآثام زاجراً» (56).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

يدعو الإمام عليه السلام   ربه تعالى أن يوفّق شيعته الموالين له العارفين بحقه العاملين بما توجبه ولايتهم له من البراءة من أعدائه ومنابذتهم، ومناصرة أهل الحق ومعاونتهم لأن يقيموا السنّة الإلهية ويعملوا بآداب الدين التي من جملتها كتمان السر والحفاظ على الأمانة وغير ذلك حيث من الخيانة إفشاء السر الذي إئتمن المرء عليه، ولا يحب الإمام‏عليه السلام   أن يرى في أتباعه خونة لا يراعون الحقوق، ولا يقيمون لعواقب الأمور وزناً وأن ترتب على إذاعة الأسرار ما يؤدي إلى الفرقة بين الأخوة ونشر الضغينة بين الأرحام، والإفساد في المجتمعات، بل على العكس تماماً، شيعته هم حفظة الأسرار الأمناء المنزّهون عن هذه الآفة اللسانية القبيحة يقول الصادق عليه السلام  : «إفشاء السر سقوط» (57).

وفي الحديث: «سرك سرورك إن كتمته، وإن أذعته كان ثبورك» (58).

ب - الكتمان سبب النجاح:

إن من أقوى أسباب النجاح، وأدوم أحوال الصلاح، وأدل شي‏ء على سعة النفس، وغزارة العقل كتمان السر، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام   أنه قال: «أنجح الأمور ما أحاط به الكتمان (59) من كتم سرّه كانت الخيرة في يده» (60).

وعنه عليه السلام : «سرّك أسيرك فإن أفشيته صرت أسيره» (61).

وقد أخذ أحد الشعراء حديث الأمير عليه السلام فنظمه وقال:

أسيرك سرّك إن صنته          وأنت أسير له إن ظهر

فسرّ امرئين وشيك الظهور     وسرّ الثلاثة لن يستتر

ومما أوصى به بعضهم: كن على حفظ سرك احفظ منك على حقن دمك، فكم من اظهار سر، أراق دم صاحبه، ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من سطواته آمناً، ومن عواقبه سالماً، ولنجاح حوائجه راجياً.

هذا فيما يتعلق بإفشاء المرء لأسراره الشخصية والبيتية التي لا ترتبط بالآخرين وأما ما يتعلق بهم فلا شك أن كشف أسرارهم التي أودعوها عنده أقبح من كشف سر نفسه، لأن الذي يبدي سرّ غيره ويفشيه يبوء بوصمة الخيانة والنميمة كما تقدم.

ويتأكد الاهتمام بالمحافظة على الأسرار أكثر كلما كانت ترتبط بقضايا خطيرة كالتي تعني شؤون العمل الجهادي من قبيل الخطط العسكرية، ومواضع تواجد المجاهدين، والمقدّرات الميدانية وما شابه هذه الأمور ويعتبر البوح بها إلى الغير خدمة مجانية إلى الأعداء، كما يصبح المتهاون بها شريكاً في كل ظلامة أو سفك دم أو ثغرة ناتجة عن بوحه بالسر المأمور بكتمانه.

ج - معيار حفظ الأسرار:

يقول الصادق عليه السلام : «لا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو أطلعت عليه عدوك لم يضرّك، فإن الصديق قد يكون عدواً يوماً ما» (62).

هذا الحديث يوضح المعيار والميزان الذي على ضوئه يكون الابداء أو الاخفاء، وهو إن كان اطلاع الآخر على سرك غير مؤذٍ ولا مضر حتى لو انقلب عدواً أو أوصل السرّ إلى الأعداء فكشف هكذا سر مسموح به، وإلا لو كان اطلاعه عليه مضراً في حالة ما اتصل به عدواً فهو غير مسموح به وإن كانت الصداقة والمودة لا تزال قائمة بينهما، هذا على الصعيد الفردي ومنه نفهم ما هو على الصعيد العام.

سيّما وأن أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السرّ ومصادقة الأخيار، وجمع الشر في الاذاعة ومؤاخاة الأشرار» (63).

وقيل: صدور الأحرار قبور الأسرار.

د - الثقة أمين السرّ:

هناك أمور تعتبر أسراراً مهمة تخصنا لكن لا نستغني فيها عن مساعدة صديق أو استشارة ناصح، أو معاونة إنسان حاذق عارف بكثير من مفاصل الحياة وبلاءاتها، فإذا كان لا بد لنا أن نودع أسرارنا لدى شخص يحمل مواصفات تساعدنا على بلوغ أهدافنا وانجاح أعمالنا، لما يمتلك من مؤهلات قد يفتقدها البعض منّا، فكيف نختاره ليكون أميناً على ذلك؟

يجيبنا والد الشيخ البهائي (رض) قائلاً: «فليختبر العاقل أميناً جليلاً إن لم يجد إلى كتم السرّ سبيلاً، وليتحرس في اختيار من يأتمنه عليه كل الاحتراس، فليس كل من كان على الأموال أمين كان على الأسرار أميناً، لأن العفة على الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار، بدليل أن المرء قد يظهر سره في غير محله بمبادرة لسانه، ويحترز في ذلك على اليسير من ماله، فلهذا كان أمناء الأسرار أشد تعذراً وأقل وجوداً من أمناء  الأموال».

و - من صفات أمين السرّ:

أن يكون ذا عقل راجح، ودين صالح، ونصح مبرور، وود موفور، كتوماً بالطبع، ثقة لا يكذب يخشى ربه في الخفاء والعلانية.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام  : «لا تودع سرّك إلا عند كل ثقة » (64).

وينبغي أن يكون شديد الحرص في اخفاء السرّ كما أنشد بعضهم:

ومستودعي سراً تبوأت كتمه        فأودعته صدري فصار له قبراً

وقيل لبعض الحكماء: كيف حفظك للسرّ فقال: أنا قبره.

هـ - من لا ينبغي ايداع السرّ عندهم:

1 - الجاهل الأحمق:

عن أمير المؤمنين عليه السلام  : «لا تسرّ إلى الجاهل شيئاً لا يطيق كتمانه» (65).

وفي الحديث: «إن قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه» (66).

2-  الخائن:

فيما روي: «لا تودعنّ سرّك من لا أمانة له» (67).

3 - النمّام:

والذي تجدر الإشارة إليه قبل أن نختم الكلام في هذا الدرس أنه مع توفر المواصفات المطلوبة لأمين السرّ، فإن كان لا ضرورة أو لا حاجة إلى كشف السرّ على الاطلاق، بحيث أن الإنسان لمجرّد الميل لديه لاطلاع الآخر الثقة على معلومات تخصّه قام ببيانها له، ولأنه يأنس بذلك، فإن الأفضل الاحتفاظ بها وعدم ابدائها طالما أنه ليس من شي‏ء يدعوه إلى هذا الأمر وقد حثّت الروايات في مثل هذه الحالات على التفرد بالسرّ.

قال الصادق عليه السلام  : «سرّك من دمك فلا تجريه في غير أوداجك» (68).

وقال عليه السلام  : «صدرك أوسع لسرّك» (69) ومما روي: «المرء أحفظ لسرّه» (70).

من فقه الإسلام

س: هل يجوز التحدث أمام الناس عن الأسرار الشخصية وعن الأمور الخاصة السرّية؟

ج: لا يجوز كشف واظهار الأمور الخاصة الشخصية أمام الآخرين فيما إذا كانت مرتبطة بوحه ما بغيره أيضاً أو كان موجباً لترتب مفسدة.

 س: يسأل الطبيب النفساني غالباً عن الأمور الشخصية والعائلية للمريض للإطلاع عن أسباب مرضه للتطرق من خلال ذلك إلى علاجه، فهل يجوز للمريض الإجابة على ذلك؟

ج: لا بأس فيه إذا لم تترتب عليه مفاسد ولم يكن غيبة ولا إهانة لشخص ثالث.

 س: ربما يرى بعض عناصر الأمن لزوم الدخول في بعض المراكز والاختلاط بالجمعيات لغرض كشف مراكز (الجمعيات) الفحشاء والمجموعات الإرهابية، كما تقتضيه أساليب التجسس والتحقيق، فما هو حكم مثل هذه الأعمال شرعاً؟

ج: لا مانع منها إذا كانت بإذن المسؤول المختص ومع الالتزام بمراعاة الحدود والمقررات القانونية ومع الاجتناب عن التلوث بالمعصية وفعل الحرام، ويجب على مسؤوليهم رعايتهم والعناية بهم من هذه الجهة بشكل تام.

 س: هل يجوز التجسّس على المؤمنين في أمورهم الشخصية وغيرها بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما لو رأى منهم فعل المنكر أو ترك المعروف؟ وما هو حكم الأشخاص الذين يتجسسون للعثور على مخالفات الناس مع أنهم ليسوا مكلفين بالتجسّس؟

ج: لا مانع من مبادرة خصوص موظفي الفحص والفتيش الرسميين إلى البحث والتحقيق القانوني عن أعمال الموظفين حول العمل الإداري أو غيره في إطار الحدود والمقررات القانونية، وأما التجسس على عمل الآخرين أو التفتيش في أعمال وسلوك الموظفين لكشف أسرارهم خارج الحدود والضوابط فلو يجوز لهم فضلاً عن غيرهم (71).

خلاصة الدرس 

أ - يحب أهل البيت عليهم السلام   لأتباعهم أن يتحلوا بكتمان السر ويدعون لهم بذلك لأن من محاسن الأدب وأقوى أسباب النجاح والصلاح.

ب - إن افشاء السر يعتبر خيانة إذا كان متعلقاً بالغير وسبباً للمتاعب والسقوط إذا كان خاصاً بصاحبه.

ج - معيار حفظ الأسرار وهو اطلاع الصديق على الأمور التي لو وصلت إلى العدو لم يكن هناك ضرر وإيذاء.

د - لا ينبغي ائتمان أحد على السر إلا إذا كان ثقة مأموناً وذا عقل راجح وكتوماً يخشى اللَّه تعالى في السر والعلن.

هـ - لا يؤتمن على السر: الجاهل الأحمق والخائن والنمام.

أسئلة حول الدرس

1 - كيف ينظر أهل البيت عليهم السلام لكتمان السر؟

2 - هل يجوز افشاء الأسرار الشخصية؟

3 - ما هو المعيار في حفظ الأسرار؟

4 - ما هي المواصفات التي ينبغي أن تتوفر في أمين السر؟

5- من هو الذي نهينا عن وضع الأسرار لديه؟

للحفظ

قال تعالى: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول» (72).

عن الإمام الرضا عليه السلام : «لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربه وسنّة من نبيه، وسنّة من وليّه، فالسنّة من ربه كتمان سرّه قال اللَّه عزّ وجلّ: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه...» (73).

للمطالعة

إفشاء السرّ قتل الولد؟!

كان رجل من أهل المدينة يذهب إلى بعض الأرياف، لشراء الشاة والدهن والصوف وما أشبه، وكان له عميل في الريف يرد عليه فيشتري له ما يريد.

وذات مرة أخذ معه مالاً ضخماً وقصد الريف ونزل عند عميله وذكر له حاجياته، وإنه يريد الشراء بمبلغ كذا..

قال التاجر: وبمجرد أن ذكرت للعميل كمية المال الذي معي، وإذا بي أرى آثار التغير في وجه العميل، فعلمت أنه أراد بي سوءاً فندمت، ولكن لا ينفع الندم.

نعم: استر ذهبك وذهابك ومذهبك، حتى عن الأصدقاء يقول الشاعر:

   إحذر عدوك مرة          واحذر صديقك ألف مرة

فلربما انقلب الصديق     فكان أعلم بالمضرة

قال التاجر: ولكن لم يكن لي ملجأ، ألجأ إليه في تلك الليلة.. وبعد تناول الطعام فرش لي صاحب البيت في غرفة من غرف البيت، وذهب هو وزوجته إلى غرفة أخرى، لكنّ النوم لم يزر عيني من القلق، وأخيراً قرّرت أن أخرج من غرفتي وأختفي في بعض زوايا البيت، وهكذا فعلت..

فخرجت.. وحيث لم أجد مكاناً للاختفاء إلاّ الإسطبل اختفيت فيه، وأخفيت نفسي إلى رقبتي في التبن الذي خزّن في الإسطبل.. لكن عيني كانت تحدق بإتجاه الغرفة.

وإذا بي أرى نصف الليل أن شخصاً دخل الدار وذهب إلى غرفتي.. ولم أعرف من هو ذلك الشخص؟

وبعد مدّة رأيت  في ضوء القمر  أنّ صاحب البيت وزوجته قاما وهما يتهامسان حتّى دخلا وعلمت أنّهما يريدان بي شراً، ولم تمض مدّة إلاّ ورأيت الزوجين أسرعا وأضاءا مصباحاً نفطياً ودخلا الغرفة، ثم رأيتهما يخرجان ويسحبان جثّة إنسان ملفوف إلى السرداب.

قال الرجل: ولمّا دخلا السرداب قمت من مكاني وهربت من القرية قاصداً البلد، ومشيت حتّى وصلت البلد بكلّ خوف وصعوبة، وأخبرت الشرطة بما جرى.

فجاءت مفرزة من الشرطة معي إلى القرية، وألقوا القبض على الزوجين، ودخلنا السرداب وحفرناه، وإذا بنا بجثّة الرجل المذبوح، وبعد التحقيق تبيّن أن المذبوح ولد صاحب البيت، وأنّه كان خارجاً لبعض شؤونه، ولمّا دخل الدار نام في تلك الغرفة، والزوجان ظنّاه أنه التاجر فقتلاه في الظلام.






 

الدرس الخامس : أمانة الوقت

«وهذا يوم حادث جديد وهو علينا شاهد عتيد (74) .. اللهم اجعل لنا في كل ساعة من ساعاته حظاً من عبادك ونصيباً من شكرك، وشاهد صدقٍ من ملائكتك (75) .. اللهم صلّ‏ِ على محمد وآله ووفقنا في يومنا هدا وليلتنا هذه وفي جميع أيامنا (76) .. اللهم صلّ‏ِ على محمد وآله.. واستفرغ أيامي فيما خلقتني له..» (77)

أ - في رحاب الدعاء:

ربما ينصرف ذهن الكثيرين من الناس إلى أن اللَّه تعالى سيسألهم يوم الحساب عن أداء العبادات أو تركها أو اجتناب المحرمات فقط، ولا يلتفتون إلى أنه توجد مسؤوليات أخرى هي محل اهتمام الخالق سبحانه، ويتهاون الإنسان بعض الأحيان فيها، ومن تلك الأمور التي يسألنا اللَّه عنها الوقت الذي هو نعمة وعطاء منه يمكن أن نملأه فيما أراده عزّ وجلّ لنا، وليس من الصواب أن الإنسان إذا أدّى واجباته العبادية واجتنب ما نهاه المولى تعالى عن فعله أن يعيش في فراغ دائم ويضيع أوقاته دون جدوى ولا يلتزم ببرنامج عمل في حياته.

فالإمام السجاد عليه السلام يكشف من خلال الدعاء المتقدم عن أمرين لا بد منهما وهما:

الأول: ضرورة استعمال الوقت وعدم إفناء العمر بالفراغ.

والثاني: أن يكون ذلك فيما أراده اللَّه تعالى وخلق البشرية لأجله، لا مجرد استغلال الوقت في أي شي‏ء كان وهو المقصود من قوله عليه السلام : «واستفرغ أيامي فيما خلقتني له».

وإلى نفس المعنى يشير في دعاء آخر: «واجعلنا من أرضى من مرّ عليه الليل والنهار من جملة خلقك» (78).

ويحدثنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن مسؤولية الوقت قائلاً: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه» (79) .. وفي الحديث: «إن عمرك وقتك الذي أنت فيه» (80) لذلك صحّ أن يقال أن الوقت أمانة لدينا فلا يسوغ لنا التهاون بها أو تضييعها أو خيانتها.

ب - كيف تصان أمانة الوقت؟

لا بد قبل معرفة الجواب أن نبيّن أنحاء الوقت وهي:

النحو الأول: أن يكون الوقت خاصاً بالشخص ولا يشاركه فيه غيره كالساعات التي يخلد فيها إلى الراحة في بيته أو النزهة إلى مكان ما.

النحو الثاني: أن يكون الوقت مشتركاً بينه وبين آخرين كالحصة الدراسية في الجامعة حالة كونه طالباً فيها فإن وقتها لا يخصّه لوحده بل يشاركه سائر زملائه في الصف إضافة إلى الأستاذ.

النحو الثالث: أن يكون الوقت لغيره كالموظف في مؤسسة ما أو الأجير لدى رب العمل لساعات محدّدة يشغلها بالمهمة الموكلة إليه سواء في الصناعة أو الزراعة أو في الشؤون الإدارية أو غير ذلك.

و تصان أمانة الوقت في الأنحاء الثلاثة على الشكل التالي:

  أما الأول: فإنه طالما كان الواحد منا مالكاً لوقته غير مرتبط بدوام مع غيره، وأراد تنظيم ساعات أيامه بالشكل الذي يريده الإسلام له وتفرضه عليه تلك المسؤولية عن عمره فالذي ينبغي له هو أن يتبع التقسيم الذي أرشدنا إليه مولانا الكاظم عليه السلام حيث يقول: «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة اللَّه وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم...» (81)

والذي يفهم من الحديث أن اشغال الوقت بتمامه بأمرٍ واحد مما ذكره عليه السلام كأن يكون كل وقته لأمر المعاش أو كل وقته للانصراف إلى الملذات غير المحرمة هو غير مرغوب فيه بل اللازم اعتماد التوزيع المذكور.

 وأما الثاني: فينبغي عدم هدر الوقت باختلاق أسئلة لا طائل فيها أو تعمد  تضييع الحصة الدراسية بما يعطّل الفائدة على أصدقائه التلامذة، أو القيام بأي عمل  من شأنه أن يؤخر برنامجهم العلمي فإن المسؤولية هنا أشد وآكد حيث أنه غصب لأوقات الآخرين إضافة إلى تضييع وقته وربما كان الذي فات لا يعوّض بالنسبة إلى الجميع.

وفي الحديث: «ما انقصت ساعة من دهرك إلا بقطعة من عمرك» (82).

ومما قاله أمير المؤمنين عليه السلام : «إنما أنت عدد  أيام فكل يوم يمضي عليك يمضي ببعضك، فخفض في الطلب وأجمل في المكتسب» (83).

 وأما الثالث: فإنه إذا فرّط الأجير بالوقت وانصرف إلى شؤون تخصّه كان خائناً لمن استأجره وائتمنه حيث فرض له بدل مالي لقاء إشغال هذه الساعات وقيامه بالمهمة الموكلة إليه على أحسن وجه، ويظهر هذا النوع من الخيانة لأمانة الوقت في المؤسسات الانتاجية والمصانع التي ينخفض فيها مستوى الانتاج كلما هدر العاملون فيها الأوقات وانصرفوا عن أداء العمل حقه. ومن الناحية الشرعية تنشأ مشكلة تقاضي الراتب المالي كاملاً حال عدم الالتزام بأشغال الوقت فيما حدّد له إذا أن الساعات اتي هدرت لغير مصلحة المؤسسة لا يحق  للموظف أو الأجير أخذ البدل عنها ويكون أخذ الأجرة عليها حينئذٍ أخذاً للمال بغير حق.

فصيانة أمانة الوقت في هذا النحو تتم بأمرين:

الأول: الالتزام بالدوام المحدّد المتفق عليه من بدايته إلى نهايته.

والثاني: أن يكون المداوم مشتغلاً بما كلّف به لا مجرد أنه متواجد في مكان العمل لكن مع عدم الاشتغال.

ج - هكذا يضييع الوقت:

هناك صنفان من الناس، أحدهما: قدم على تضييع عمره وهو عارف بما يقوم به والآخر: يضيعه وهو جاهل بذلك بل معتقد أنه يعرف فيما له نفع.

فلأجل علاج الموقف نقرأ معاً ما تفضل به أهل البيت عليهم السلام في بيان كيف تضيع الأوقات والأعمار.

1 - الاشتغال بالفائت:

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «الاشتغال بالفائت يضيّع الوقت» (84).

2 - ترك العمل للآخرة:

 في الحديث: «اشتغال النفس بما لا يصحبها بعد الموت من أكثر الوهن» (85).

3 - الفضول:

يقول مولى المتقين عليه السلام : «شر ما شغل به المرء وقته الفضول» (86).

4-  الاشتغال بغير المهم: (عدم ترتيب الأولويات)

عنه عليه السلام :  «من اشتغل بغير المهم ضيّع الأهم» (87).

5 - الغفلة: في الحديث:

«فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وأن تؤدية أيامه إلى الشقوة» (88).

6-  اللهو والنسيان:

من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام : «أين الذين عمرّوا فنعموا، وعلّموا ففهموا وانظروا فلهوا، وسلّموا فنسوا، أمهلوا طويلاً ومنحوا جميلاً» (89)؟!

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم الكسل في تحصيل العلم وكذلك إضاعة الوقت؟ وهل هو حرام؟

ج: في تضييع الوقت بالبطالة أشكال، وإذا كان الطالب يستفيد من المزايا المخصصة للطلبة، فإن عليه أن يتابع المنهج الدراسي الخاص لهم وإلا فلا يجوز له الاستفادة من تلك المزايا من الراتب والمنحة وغيرها (90).

س: إننا نعمل في مؤسسة عسكرية ومقر عملنا في مكانين منفصلين، وبعض الاخوة يقوم في طريق الذهاب من أحد المقرين إلى الآخر بأعمال شخصية يستهلك بعضها وقتاً كثيراً، فهل يجب عليه تحصيل إجازة لهذا العمل أم لا؟

ج: الاشتغال بالأعمال الشخصية أثناء الدوام الرسمي المقرر يحتاج إلى إجازة من المسؤول الأعلى (91).

 س: يشاهد في بعض دوائر التربية والتعليم أن المعلم أو المدير الذي هو موظف للعمل في أحد الأقسام الإدارية يقوم بالتدريس في المدارس الأخرى أثناء الدوام الرسمي بموافقة مسؤوله الإداري المباشر ويستلم أجرة على هذا التدريس مضافاً إلى راتبه المقرر الشهري فهل يجوز له هذا العمل وأخذ الأجرة على التدريس؟

ج: موافقة المسؤول المباشر على قيام الموظف أثناء الدوام الرسمي بالتدريس تابعة لحدود الصلاحيات القانونية للمسؤول ولكن مع فرض أن موظف الحكومة يستلم راتباً مقابل الدوام الرسمي فلا يحق له أن يستلم راتباً آخر مقابل التدريس في المدارس الأخرى في نفس وقت الدوام الرسمي (92).

خلاصة الدرس

أ - الوقت أمانة إلهية لدى الإنسان، لا يجدر به أن يعيش دون الاستفادة منها ورعايتها وينبغي أن تكون فيما أراده اللَّه تعالى.

ب  للوقت أنحاء ثلاثة ينبغي رعاية كل نحو بحسب ما تفرض المسؤولية عنه وهي: ما يكون خاصاً وما يكون مشتركاً وما يكون للغير.

ج - يتم ضياع الوقت بأمور هي: الاشتغال بالفائت، ترك العمل للآخرة، الفضول، ترك الأهم  والاشتغال بغير المهم، الغفلة، اللهو والنسيان.

أسئلة حول الدرس

1 - ماذا يستفاد من دعاء الإمام السجاد عليه السلام حول الوقت؟

2 - عدّد الأنحاء التي تستتبع مسؤولية في صرف الاوقات؟

3 - ما هو الموقف الشرعي عند استغلال وقت المؤسسة في غير ما حدّدت؟

4 - هل يجوز للعامل تقاضي البدل عن الساعات الضائعة؟

5 - ما هي أسباب ضياع الوقت؟

للحفظ

قال تعالى: «وما يعمّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على اللَّه يسير» (93).

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : «كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك» (94).

للمطالعة

لا يضيع من وقته ولا دقيقة واحدة

تقول السيدة زهراء مصطفوي: «يصعب على من لم يشاهد عن قرب الإمام الخميني (ره) أن يصدق دقته في الالتزام ببرنامج حياته اليومي، مثلاً كنا إذا أحضرنا له الشاي عصراً ودعوناه لشربه، فإنه كان ينظر أولاً إلى ساعته ثم يقول: لا زالت أمامنا بضع لحظات (أي ثواني) لموعد شرب الشاي!

أجل، لقد كان دقيقاً في ذلك بحيث أنه لو تأخر مرةً ولم يفتح باب غرفته في تمام الساعة الواحدة وعشر دقائق لكي يتوجه إلى غرفة العائلة لتناول طعام الغداء، أصاب القلق الجميع لأنهم تعودوا على خروجه في تلك الساعة بالضبط كل يوم. كان يذهب في الوقت المحدد  بل في الدقيقة المحددة  إلى النوم، وهكذا حاله مع موعد الطعام والاستيقاظ. كان يمارس رياضة المشي ثلاث مرات في اليوم، لمدة عشرين دقيقة في كل مرة، فإذا بقيت منها ثواني سار بضع خطوات إضافية ثم يدخل إلى الغرفة في الوقت المحدد!

إنه غري حقاً في دقة تنظيمه، كان هذا حاله على الدوام مُنذ مرحلة الشباب. فقبل أيام لاحظت قضيةً معينة دعتني إلى التصور بأنّ دقته قد إزدادت في هذا المجال، فقلتُ له: يبدو أنّ دقتكم في هذا النظام قد إزدادت وأصبحت شديدة جداً. فقال بجدية: «كلا، كان هذا هو حالي على الدوام»، أجل: هذا هو حاله في دقةِ الالتزام، فمثلاً، لم يكن يترك العمل الذي هو فيه لكي يتحدث إليّ مثلاً إذا دخلت عليه لمجرد أنني ابنته، بل كنا ندخل فنسلم ونجلس، وهو يتابع ما هو فيه كالإستماع للإذاعة أو التلفاز، أو مطالعة الرسائل التي تصله أو التقارير الخبرية. فلا يبقى ولا لدقيقة بدون عمل، حتى في الحمام يصطحب معه المذياع ويعلقه على عاتقه عند الوضوء. كما أنه دقيق في الإجابة على الأسئلة الموجهة إليه، فمثلاً إذا سألناه مسألة ولم يكن في التلفاز برنامج مهم، قام وأطفأه ثم أجاب على السؤال بدقةٍ وكان علينا أن نحسن الإصغاء للحصول على الجواب لكي لا نضيع وقته، وأستطيع أن أقول بثقة أنه لا يضيّع شيئاً من وقته أصلاً».






 

الدرس السادس : التواضع

«اللهم صل على محمد وآل محمد.. وأعزني ولا تبتلني بالكبر (95) .. ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها (96)  اجعلني اللهم.. ألين جانبي لهم تواضعاً.. اللهم صل على محمد وآله وارزقني مثل ذلك منهم» (97).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

في هذه المقطوعة الفريدة التي تمثّل نهجاً تربوياً أخلاقياً رائداً يوضح الإمام السجّاد عليه السلام  أن العزة لا تتحقق بالتكبر والاستعلاء على الآخرين وإنما العزة في التواضع والتخشّع وعلى المؤمن أن لا تأخذه المكانة بين الناس إلى إحداث علو باطني في نفسه سرعان ما تنبى‏ء عنه الأفعال والأقوال حين تعكس الصورة الظاهرية ذلك الباطن المملوء بالترهات التي لا حقيقة لها عندما يعود الإنسان إلى حقيقة أمره ومعرفة ما هو خطره؟! (ما أنا يا سيدي وما خطري) ويظهران لا واقعية وصدق يدعوان إلى هذا التكبر، بناءً على ذلك، يكون المستقيم هو من عرف نفسه وظلّ متهماً لها بالتقصير رغم قيامه بما يجب عليه والتزامه بالآداب ولا ينظر إلى أصحابه أو سائر من يعاشرهم على أنه أفضل منهم وهم أدنى منه، نتيجة  ما تحدّثه به نفسه أو يسرح به خياله فيحس أنه طار في الهواء أو غاص إلى غور الماء وهو لا يزال واقفاً مكانه ولكل ذلك أسباب سوف نتحدث عنها بالتفصيل إن شاء اللَّه تعالى، فالمطلوب هو أن لا يرى أنه فوق الناس بل يشكر اللَّه على كل نعمة فضّله اللَّه بها عليهم من علم أو جاهٍ أو مال ويعلم أن هذا كله من اللَّه وإن شاء اللَّه سلبه تلك النعم.

فالتواضع والتخشّع ولين الجانب من أشرف الخصال الحميدة في الإسلام وأفضل العبادة.

ب - التواضع المذموم:

بعد أن عرفنا ما للتواضع من أهمية وتأثير في أن يعيش الإنسان صادقاً مع نفسه وربّه وكذلك مع الناس، لا بد أن نعرف حدود التواضع كي لا نقع فريسة للجهل حينما نتواضع لمن لا ينبغي التواضع له كالكافر المحارب الذي يتربص بالمؤمنين الدوائر، واللَّه تعالى يقول: «فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه» (98) فهناك قسم من التواضع مذموم وهو ما يكون للظالمين وأصحاب النفوذ والمصالح المادية لأجل الوصول إلى مآرب غير شرعية أو الحصول على رضا المخلوقين وثنائهم ومدحهم، مع أن التواضع الذي تحث عليه الشريعة هو ما يراد به وجه اللَّه تعالى.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «من أتى غنياً فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه» (99).

وفي الحديث: «أيّما مؤمن خضع لصاحب سلطان أو من يخالفه على دينه طلباً لما في يديه أخمله اللَّه ومقته عليه ووكله إليه، فإن هو غلب على شي‏ء من دنياه وصار في يده منه شي‏ء نزع اللَّه البركة منه، ولم يؤجره على شي‏ء ينفقه في حج ولا عمرة ولا عتق» (100).

ج - كيف أتواضع؟

ربما يتراءى للبعض أن يلين جانبه إلى حد أنه يكسر أو يتعاطى مع الآخر بطريقة لا تنسجم مع بناء الشخصية الإيمانية ودورها في المجتمع فلأجل تلافي الوقوع بمشاكل ناشئة من ضياع الأساليب المرغوبة والسبل المطلوبة كان لأهل البيت عليهم السلام بيانهم الوافي في هذا الجانب حيث بيّنوا وحدّدوا الطريقة المثلى في هذا الشأن ضمن رسم بيانين الأول عام بحيث يشكل ميزاناً وضابطة في سلوك التواضع والثاني خاص بحيث يدلّل وينبّه على موارد معينة تجمل فيها هذه الفضيلة.

 أما الأول: كما ورد عن مولانا الرضا عليه السلام لما سئل عن حد التواضع: «أن تعطي الناس من نفسك ما تحب أن يعطوك مثله» (101)

وأما عن أمير المؤمنين‏عليه السلام : «حسب المرء من تواضعه معرفته بقدره» (102).

 وأما الثاني: ما جاء عن الصادق عليه السلام : «التواضع أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلّم على من لاقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقاً، ورأس الخير التواضع» (103)

فمن التواضع أن يسلّم على كل من يمرّ به، وأن يجلس في منتهى المجلس أو في الأماكن الخلفية في الاحتفالات العامة والمناسبات الدينية وإن كان مكانه في الأماكن الأمامية وأن لا يدخل في نفسه شي‏ء سواء قدّم أو أخرّ نتيجة الازدحام والضيق أو انصراف اهتمام الداعين له عن تبجيله جراء انشغالهم بغيره وهذا مما لا يسبب إهانة ولا منقصةً.

د - ما يستعان به على التواضع:

هناك أمور يمكننا أن نستعين بها على التواضع وتشكل أسباباً مهمة مساعدة على الابتعاد عن التكبر والاستعلاء الذي كثيراً ما ينشأ من تولّي المسؤوليات، ومخالطة وجهاء الناس، ومعاشرة الأغنياء، وقلّة مخالطة الأكفاء. ومدح الناس، ونفوذ الأمر، ومحادثة النفس وإعجابها بكل ما يصدر منها وغير ذلك من الآفات الخدّاعة التي تؤدي إلى التشاغل عن الفضائل بل ربما إلى فعل الرذائل، مع أن المطلوب إذا زكّي الرجل أن يقول كما ورد في خطبة المتقين لأمير المؤمنين عليه السلام : إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له، فيقول: «أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون» (104).

والأمور المساعدة على التواضع هي:

1 - سلامة الصدر:

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «لا يستعان .. على التواضع إلا بسلامة الصدر» (105)

2 - العلم والتفقه:

في الحديث: «التواضع ثمرة العلم» (106)

وروي: «إذا تفقّه الرفيع تواضع» (107).

3 - تعظيم الخالق سبحانه:

 يقول مولى المتقين عليه السلام : «وأنه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللَّه أن يتعظّم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له» (108)

هـ - ثمرات التواضع:

 إن اعتماد التواضع مسلكاً يؤدي إلى نتائج فيها من الخير الكثير على أصعدة مختلفة نستعرضها ضمن البيان النوراني لأهل بيت العصمة عليه السلام وهي:

1-  انتشار المودة بين الناس:

 يقول أمير المؤمنين عليه السلام : «ثمرة التواضع المحبة، ثمرة الكبر المسبّة» (109).

2-  السلامة والأمان بين الناس:

 عنه عليه السلام : «التواضع يكسبك السلامة» (110).

3-  المهابة والاحترام:

 في الحديث: «التواضع يكسوك المهابة» (111).

وعن النبي صلى الله عليه و آله و سلم :

«إن التواضع يزيد صاحبه رفعة، فتواضعوا يرفعكم اللَّه» (112).

4-  الصحة والعافية: فيما ورد:

 «من تواضع قلبه للَّه لم يسأم بدنه من طاعة اللَّه» (113).

5-  انتظام الأمور:

 عن أمير المؤمنين عليه السلام : «بخفض الجناح تنتظم الأمور» (114).

6-  حكمة القلب:

في الحديث: «إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار، لأن اللَّه جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل» (115).

7 -  نشر الفضيلة:

عنه عليه السلام : «التواضع ينشر الفضيلة، التكبر يظهر الرذيلة» (116).

8-  الطاعة والشكر للخالق تعالى: في الحديث:

 «بالتواضع تتم النعمة» (117).

ومن الواضح أن هذه الآثار ليست فردية فقط بل تعني حياة المجتمع وعمرانه بالشكل الأفضل كما يشرحه النبي صلى الله عليه و آله و سلم    قائلاً: «إن اللَّه تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (118).

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم السجود والتيمم على الاسمنت أو البلاط (الموزاييك)؟

ج: لا اشكال في السجود عليهما والتيمم بها.

 س: هل هناك اشكال في الاستفادة من تربة السجود التي اسوّدت واتسخت بحيث تغطي التربة طبقة من الأوساخ تحول بين الجبهة والتربة؟

ج: إذا كان الوسخ عليها بمقدار يشكل وجود حاجب بين الجبهة والتربة فالسجود باطل وكذا الصلاة.

 س: امرأة كانت تسجد على التربة وجبهتها مغطاة بالحجاب خاصة موضع السجود، فهل يجب عليها إعادة تلك الصلوات؟

ج: لا يجب الاعادة فيما إذا لم تكن حين السجود ملتفتة إلى وجود الحائل.

 س: ما هو التكليف الشرعي عند سماع آيات السجدة فيما إذا لم يكن القارى‏ء حاضراً وكان الاستماع بواسطة الاذاعة أو جهاز التسجيل؟

ج: استماع آيات السجدة عبر الشريط الصوتي لا يوجب السجود وأما عند استماعها من الإذاعة أو من المكبّر بصورة البث المباشر الحي، فتجب السجدة على الأحوط.

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم السجود على حجر المرمر الذي يغطي أرض المشاهد الشريفة؟

ج: السجود على حجر المرمر لا اشكال فيه (119).

خلاصة الدرس

أ - إن التواضع من أشرف الخصال الحميدة وهو خلق الأنبياء والأوصياء ومن خلاله يزداد المؤمن عزاً وكرامة لأن التكبر ذل ومهانة.

ب - التواضع المذموم هو الذي لا يكون للَّه تعالى وإنما لحاجات زائلة أو لظالم أو لغني أو لصاحب نفوذ وهو يوجب غضب اللَّه سبحانه.

ج - ميزان التواضع أن تعطي الناس من نفسك ما تحب أن يعطوك مثله.

د - هناك أمور تساعد الإنسان على التواضع منها: سلامة الصدر، العلم والتفقه، وتعظيم الخالق تعالى.

هـ - ثمرات التواضع كثيرة ومما ورد في أخبار العترة الطاهرة عليه السلام : انتشار المودة، الأمان، الاحترام، العافية، نظم الأمور، الحكمة، نشر الفضيلة، وطاعة الرب سبحانه.

أسئلة حول الدرس

 1 - ما هو دور التواضع في عزة المؤمن؟

2 - لقد نهى الإسلام عن التواضع في موارد معينة فما هي؟

3 - ما هو ميزان التواضع؟

4 - اذكر الأمور المساعدة على التحلي بالتواضع؟

5 - تحدث عن الثمرات الناتجة عن التواضع بين الناس؟

للحفظ

قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم» (120).

عن الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم : «مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة؟ قالوا وما حلاوة العبادة؟ قال التواضع » (121).

للمطالعة

صبّ الأب على الأب‏

يقول الإمام العسكري عليه السلام :

« أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدّهم قضاءً لها أعظمهم عند اللَّه شأناً، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند اللَّه من الصدّيقين، ومن شيعة عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام حقّاً، ولقد ورد على أمير المؤمنين أخوان له مؤمنان: أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين يديهما، ثمّ أمر بطعام فاحضر فأكلا معه، ثمّ جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل لييبس وجاء ليصبّ على يد الرجل، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ الإبريق ليصبّ على يد الرجل، فتمرّغ الرجل، في التراب وقال: يا أمير المؤمنين! اللَّه يراني وأنت تصبّ‏ُ على يدي؟ قال: اقعد واغسل فإنّ اللَّه عزّ وجلّ يراك وأخوك الذي لا يتميّز منك ولا يتفضّل عليك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنّة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها.

فقعد الرجل فقال له عليّ عليه السلام : أقسمت عليك بعظم حقّي الذي عرفته وبجّلته وتواضعك للَّه؛ حتّى جازاك عنه بأن ندبني لما شرّفك به من خدمتي لك، لمّا غسلت مطمئنّاً كما كنت تغسل لو كان الصابّ عليك قنبر، ففعل الرجل ذلك، فلمّا فرغ ناول الإبريق محمّد بن الحنفيّة وقال: يا بنيّ لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكنّ اللَّه عزّ وجلّ يأبى أن يسوّي بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صبّ الأب على الأب فليصبّ الابن على الابن، فصبّ محمّد بن الحنفية على الابن. ثمّ قال الحسن بن علي العسكري عليه السلام : فمن اتّبع عليّاً عليه السلام على ذلك فهو الشيعيّ حقاً » (122).






 

الدرس السابع : الإيثار

‏« اللهم صل على محمد وآله... ولا تبتذل جاهي بالإقتار (123) ... اللهم إني أعتذر إليك من ذي فاقة سألني فلم أوثره.. اعتذر إليك يا إلهي منهن ومن نظائرهن اعتذار ندامة، يكون واعظاً لما بين يدي من أشباههن (124) .. اللهم صل على محمد وآله.. وأجر للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمن » (125).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

نجد في هذا الدعاء اعتذاراً إلى اللَّه تعالى من عدم الإيثار، والإيثار عن أعظم الصفات الحميدة، والفضائل العالية وهو تقديم غيرك من المؤمنين على نفسك في المال أو الراحة أو ما إلى ذلك من من النعم وقد أكّد عليه في الآيات والروايات.

قال تعالى: «والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون» (126).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «الإيثار أعلى مراتب الكرم وأفضل الشيم (127) الايثار سجية الأبرار وشيمة الأخيار(128) الإيثار أفضل عبادة وأجلّ سيادة» (129).

فما أجمل أن تكون هذه الفضيلة منتشرة في مجتمعنا نتربّى عليها كما كان أئمتنا ونربّي الأجيال على العمل بها لتكون معلماً وثقافة عامة في زمن كثر فيه المتمسكون بالمادة، والتائقون إلى نعيم زائل.

وإن أكثر ما يتجسد فيه الإيثار في أبهى صور العطاء حينما يكون في الشدائد لا الرخاء وخاصة في ساحات الجهاد والقتال ومواجهة الصعاب من قلة الطعام والماء والدواء وما يقي المجاهد من البرد وغير ذلك.

ورد في الحديث: «من أفضل الاختيار التحلي بالإيثار» (130).

من هنا نفهم معنى دعاء الإمام السجاد عليه السلام في الفقرة المتقدمة ومدى تأكيده واهتمامه حيث يعطي درساً في المثل وهو يناجي ربه تعالى.

ب - دور الإيثار في تربية النفس:

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «عند الإيثار على النفس تتبين جواهر الكرماء» (131).

وعنه عليه السلام: «لا تكمل المكارم إلا بالعفاف والإيثار» (132).

ليس من السهل على الاطلاق أن يقدم الإنسان إلى أخيه ما هو محتاج إليه ويفضّل أن تقضى حاجة أخيه على قضاء حاجته نفسه كمن يملك مبلغاً من المال لا يكفي إلا لقوت عائلة واحدة فيقدمه لعائلة من جيرانه أو أرحامه أو اخوته المؤمنين لشراء الطعام وهذا لا يكون إلا نتيجة لتربية النفس ومجاهدتها في دعوتها لحب النفس والتملك وغير ذلك والإيثار بدوره يكون عاملاً مهماً في ارتقاء النفس وصفائها وبلوغها الدرجات العليا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإيثار على مستويين تبعاً لمدى ترويض النفس وامتلاك زمامها.

 المستوى الأول: وهو المعبر عنه بالأصغر: الإيثار عن كره بمعنى أن الشخص يحس بكلفة ومؤونة حينما يؤثر أخاه المؤمن على نفسه وذلك نتيجة لحب نفسه ومصالحها، وصعوبة رفع اليد عنها في سبيل غيره باعتبار ما لدى الإنسان من الشحّ كما تشهد الآية الماضية (ومن يوق شحّ نفسه...) وهذا الإيثار هو من أنواع الجهاد مع النفس وثوابه عظيم عند اللَّه تعالى ما لو تمّ وقدر الإنسان أن ينتصر على حبّه لذاته.

 المستوى الثاني: وهو المعبّر عنه بالأكبر وهو: الإيثار عن طوع ورضا ومحبة ورغبة نفسية، وهذا أعظم وأثوب من الأول، ولا يكون إلا بعد تربية النفس تربية كبيرة، فيصل الإنسان نتيجة لصفاء النفس الذي حصل عليه بالتربية إلى مستوى فقدان الشحّ فيؤثر غيره على نفسه طواعية ولا يكون ذلك صعباً عليه بل يبلغ من السهولة حد شربة الماء مع الشعور بالسعادة والراحة.

ومما ورد: «الإيثار أحسن  الإحسان وأعلى مراتب الإيمان» (133).

ج - منازل المؤثرين:

أعدّ اللَّه تعالى للمؤثرين درجات رفيعة إضافة إلى النتائج  والثمرات التي يحظون بها في عالم الدنيا تترك بصماتها الخيّرة في شتى الأنحاء من صفحات وجودهم وامتداد أعمارهم وقد ورد ذلك في الروايات الشريفة نذكر منها ما يلي  ولو لم يكن منها إلا الرواية الأولى لكفت عن غيرها بما ستسمعه من مضمونها العالي :

1-  يُعفون من الحساب:

فيما روي عن موسى عليه السلام: «يا رب أرني درجات محمد وأمته قال: يا موسى إنك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي.. فكشف له عن ملكوت السماء فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من اللَّه عزّ وجلّ قال: يا رب بماذا بلّغته إلى هذه الكرامة؟! قال: بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار، يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتاً من عمر إلا استحييت من محاسبته وبوّأته من جنتي حيث يشاء» (134).

2 - يؤثرهم اللَّه يوم القيامة:

في الحديث: «اشترى علي ثوباً فأعجبه فتصدق به وقال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول: من آثر على نفسه آثره اللَّه يوم القيامة الجنة» (135).

3 - لهم جنة خاصة:

يقول مولانا الباقر عليه السلام: «للَّه عزّ وجلّ جنة لا يدخلها إلا ثلاثة  إلى قوله  ورجل آثر أخاه المؤمن في اللَّه عزّ وجلّ» (136).

د - الإيثار بين النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين‏ عليه السلام:

إن من أرفع درجات الجود والسخاء، والعطاء الإيثار كما عرفنا وإن من أرقى درجات الإيثار، الإيثار بالحياة حيث يدور أمرها بينك وبين غيرك فتفضل الحياة له وهذا ما قام به مولى المتقين أمير المؤمنين عليه السلام مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ليلة المبيت على فراشه وهو طبع وسجيّة له لأن الفضائل لم تكن إلا علي عليه السلام وعلي عليه السلام هو الفضائل والمناقب.

في الحديث: «لما خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الغار أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى جبرائيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فكلاهما اختارا حب الحياة فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليهما، أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي اللَّه بك الملائكة، وأنزل اللَّه عزّ وجلّ في حقه (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه واللَّه رؤوف بالعباد) وكل من كان كذلك وجب أن يكون الإمام دون غيره» (137).

من فقه الإسلام

س: هل التطبير في الخفاء حلال أم أن فتواكم الشريفة عامة؟

ج: التطبير مضافاً إلى أنه لا يعد عرفاً من مظاهر الأسى والحزن وليس له سابقة في عصر الأئمة عليهم السلام وما والاه ولم يرد فيه تأييد من المعصوم عليه السلام بشكل خاص ولا بشكل عام، يعد في الوقت الراهن وهناً وشيناً على المذهب فلا يجوز بحال.

 س: هل يجوز للنساء مع محافظتهن على حجابهن وارتدائهن لباساً خاصاً يستر بدنهن أن يشاركن في مواكب اللطم وضرب السلاسل؟

ج: لا مانع من مشاركة النساء في مجالس العزاء وفي مواكب التعزية ولكن لا ينبغي لهن الضرب بالسلاسل واللطم على الصدور أمام الرجال الأجانب.

 س: ما هو حكم السقوط بالوجه على الأرض أمام المزارات المقدسة للأئمة عليه السلام حيث أن بعض الناس يقومون بتعفير وجوههم وصدورهم على الأرض وخدشها إلى أن تسيل منها الدماء، ثم يدخلون حرم الأئمة عليه السلام بهذه الحال؟

ج: لا وجاهة شرعاً لمثل هذه التصرفات البعيدة عن اظهار الحزن والعزاء التقليدي والولاء للأئمة عليه السلام بل لا تجوز فيما لو أدت إلى ضرر بدني معتنى به أو إلى وهن المذهب في نظر الناس.

 س: إذا كان الضرب بالقامة في مآتم الأئمة عليهم السلام موجباً لموت الضارب، فهل يعد هذا العمل انتحاراً؟

ج: إذا قدم على ذلك مع خوف الخطر على النفس منذ البداية وأدى إلى موته فهو في حكم الانتحار (138).

خلاصة الدرس

أ - من أرقى الأخلاق الحميدة في الإسلام، الإيثار وهو أعلى مراتب العطاء وأفضل عبادة وأجل سيادة.

ب - للإيثار دور فعّال ومهم في تربية النفس الإنسانية، حيث يساعد على بلوغها مدارج الكمال وتخلصها من الأنانية وحبّ التملك.

ج - الإيثار على مستويين: أكبر وأصغر والأول ما يكون فيه العطاء عن طوع ورضا والثاني ما يكون فيه عن كلفة ومؤونة.

د - للمؤثرين منازل خاصة عند اللَّه منها: عدم الحساب، إيثارهم من اللَّه تعالى وأعداد جنة خاصة لهم.

هـ - أسمى درجات الإيثار ما تعلق بالحياة والموت وهو ما كان بين النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ليلة المبيت في فراشه.

أسئلة حول الدرس

 1 - ماذا تعرف عن الإيثار؟

2 - ما هو دور الإيثار في تربية النفس؟

3 -كم مستوى يوجد للإيثار؟

4 - عدّد منازل المؤثرين؟

5 - ما هي أسمى درجات الإيثار وبمن تجسّدت؟

للحفظ

قال تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً» (139).

عن أمير المؤمنين عليه السلام: «عامل سائر الناس بالإنصاف وعامل المؤمنين بالإيثار» (140).

للمطالعة

مسكين ويتيم وأسير

روى الثعلبي وغيره من المفسرين أن الحسن والحسين (عليهما)  مرضا فعادهما جدهما رسول اللَّه وعادهما عامّة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذراً، فقال‏عليه السلام: إن برى‏ء ولداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكراً للَّه تعالى، وقالت فاطمة(ع): مثل ذلك، وقالت جاريتها فضة إن برى‏ء سيداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكراً للَّه تعالى عزّ وجلّ فالبسا العافية، وليس عند آل محمد صلى الله عليه وآله لا قليل ولا كثير فآجر علي عليه السلام نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلاً بشي‏ء من شعير وأتى به إلى المنزل، فقسمت فاطمة سلام اللَّه عليها إلى ثلاثة فطحنت ثلثاً وخبزت منه خمس أقراص لكلٍ واحد منهم قرص، وصلى أمير المؤمنين عليه السلام صلاة المغرب مع رسول اللَّه، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فسمعه علي عليه السلام فقال: أطعموه حصتي، فقالت فاطمة (ع): كذلك والباقون كذلك فأطعموه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء القراح.

فلما كان اليوم الثاني طحنت فاطمة عليه السلام ثلثاً آخر وخبزته، وأتى أمير المؤمنين‏عليه السلام من صلاة المغرب مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فوضع الطعام بين يديه فأتى يتيم من أيتام المهاجرين وقال: أستشهد والدي يوم العقبة أطعموني أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فسمعه علي وفاطمة (عليهما)  والباقون فأطعموه ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلا الماء القراح.

فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة (ع) إلى الثلث الباقي وطحنته وخبزته وصلى علي عليه السلام مع النبي صلاة المغرب ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعمونا أطعمكم اللَّه من موائد الجنة فإني أسير محمد صلى الله عليه وآله فسمعه علي عليه السلام فآثره وآثروه ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا إلا الماء القراح.

فلما كان اليوم الرابع  وقد وفوا بنذرهم أخذ علي عليه السلام الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم انطلق بنا إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلي، وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، فلما رآها النبي صلى الله عليه وآله قال: واغوثاه أهل بيت محمد يموتون جوعاً! فهبط جبرائيل عليه السلام وقال: خذ يا محمد هنّأك اللَّه في أهل بيتك قال: وما آخذ يا جبرائيل، قال: هل أتى على الإنسان إلى آخر السورة ومن كان أكرم الناس كان أفضل الناس فيكون هو الإمام دون غيره ( إرشاد القلوب للديلمي ).






 

الدرس الثامن : كظم الغيظ

«للهم صلّ‏ِ على محمد وآله، وارزقني التحفظ من الخطايا والاحتراس من الزلل في الدنيا والآخرة في حال الرضا والغضب (141) ... اللهم صلّ‏ِ على محمد وآله وحلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في.. كظم الغيظ (142) ... اللهم إني أعوذ بك من سورة الغضب» (143).

 الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

يعتبر كظم الغيظ زينة المتقين كما يصرّح السجاد عليه السلام في هذا الدعاء الشريف، ومعناه كما ذكر أهل اللغة: تجرّع الغيظ واحتمال سببه والصبر عليه حينما يكون قادراً على امضائه فيحبسه والكظيم: الحابس غيظه والفرق بينه وبين الصبر: إن الكظم فيما يقدر على الانتقام، والصبر فيما لا يقدر عليه كنزول البلاء والمصيبة كما أفاد بعضهم، وقد مدحه اللَّه تعالى في كتابه المجيد قال سبحانه: « والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واللَّه يحب المحسنين» (144) وتواترت الأخبار على شرافته وعظم أجره.

قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من أحب السبل إلى اللَّه تعالى جرعتان: جرعة غيظ يردها بحلم، وجرعة مصيبة يردها بصبر » (145).

وقال مولى الساجدين عليه السلام : « وما تجرعت جرعة أحب إليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها » (146).

ويقول أحد الرواة: « جعلت جارية لعلي بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجّه (147) فرفع علي بن الحسين عليه السلام رأسه إليها فقالت الجارية: إن اللَّه عزّ وجلّ يقول: والكاظمين الغيظ فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: والعافين عن الناس، قال: قد عفى اللَّه عنك، قالت: واللَّه يحب المحسنين قال: اذهبي فأنت حرة » (148).

ب - كظم الغيظ ثمرة الحلم:

كثيراً ما يواجه الإنسان في الدنيا بلاءات ويكون بعضها متمثلاً في الإساءة إليه والتعدي عليه جراء  علاقته بمن لا يحسن أن تكون معهم علاقة حيث أخطأ في الاختيار وانتقاء الأصدقاء، أو مع إخوانه الذين ينبغي معاشرتهم كأعوان وأحبة في طريق الهدى غير أنهم كما هو غير معصومين عن الخطأ، فيتعرض في بعض الأحيان إلى أذية معينة من أحدهم سرعان ما تودي به إلى الخروج عن الآداب في الخطاب والمعاملة نتيجة سيطرة الغضب على موقفه وعدم التحلم والتحمل وكظم الغيظ مع أن المطلوب منه في حالة من هذا القبيل سيما وأن المخطى‏ء ربما يكون لأول مرة وعلّه عن غير قصد هو أن يحلم عن توبيخه أو تعنيفه أو ردّ الصاع صاعين ولا يتحقق هذا المطلوب ما لم يكن هذا الإنسان متحلياً بفضيلة الحلم التي تثمر كظم الغيظ وتمنعه وتردّه عن مواجهة الموقف غير المرضي بمثله وعن اعتماد المقابلة بالشكل السلبي، فالسلاح الرادع للنفس عن التمادي والانفعال المؤدي لمخالفة الخلق الكريم هو الحلم وبهذا يتبين ما له من دور هام في رفعة الإنسان.

يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : «ابتغوا الرفعة عند اللَّه، قالوا: وما هي يا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتحلم عمن ظلمك أو جهل عليك» (149).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «الكظم ثمرة الحلم (150) أفضل الناس من كظم غيظه وحلم عن قدرة (151) طوبى لمن كظم غيظه ولم يطلقه وعصى إمرة نفسه فلم تهلكه » (152).

ج - من نتائج كظم الغيظ:

نستعرض بعض النتائج المترتبة على الكظم كما جاءت على لسان أهل البيت عليهم السلام بما فيها من الخير في الدارين:

1-  عزّ الدنيا والآخرة:

يقول الصادق عليه السلام : «ما من عبد كظم غيظاً إلا زاده اللَّه عزاً في الدنيا والآخرة» (153).

2-  رضا اللَّه تعالى :

في الحديث: « من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه أملأ اللَّه قلبه يوم القيامة رضاه » (154).

3 -الأمن والإيمان:

يقول الباقر عليه السلام : « من كظم غيظاً وهو يقدر على امضائه حشا اللَّه قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة » (155)

4 - أجر الشهيد:

عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « ومن كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه وحلم عنه أعطاه اللَّه أجر شهيد » (156)

5 - الجنة والشفاعة:

 عن الصادق عليه السلام : « ثلاث من كن فيه استكمل خصال الإيمان: من صبر على الظلم وكظم غيظه واحتسب، وعفا وغفر، كان ممن يدخله اللَّه عزّ وجلّ الجنة بغير حساب ويشفّعه في مثل ربيعة ومضر » (157)

6 - مرافقة الأنبياء:

 قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :« ثلاثة يرزقون مرافقة الأنبياء: رجل يدفع إليه قاتل وليّه ليقتله فعفى عنه، ورجل عنده أمانة لو يشاء لخانها فيردها إلى من ائتمنه عليها، ورجل كظم غيظه عن أخيه ابتغاء وجه اللَّه » (158)

7 - الفوز بالسلامة:

 عن سلمان الفارسي (ره) قال: « من كظم غيظه سلم ومن لم يكظمه ندم » (159)

8 - غرف في أعلى الجنة:

 يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « في ليلة المعراج رأيت غرفاً في أعلى الجنة فقلت: لمن هي؟ قال: للكاظمين الغيظ، وللعافين عن الناس وللمحسنين » (160)

9 - موت الأضغان:

عن أمير المؤمنين عليه السلام : « الكاظم من أمات أضغانه » (161)

10 - تخيُّر الحور العين:

 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «من كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه اللَّه على رؤوس الخلائق يخيّره في أي الحور شاء» (162)

من فقه الإسلام

ضريبة الضرب:

تأكيداً على عدم إيذاء الولد بضربه المبرح فرض الإسلام ضريبة مالية يجب دفعها عند ضربه بقسوة تترك أثرها على الجسد.

وفيما يلي نعرض بعض أحكام الضرائب المتوجبة بسبب ضرب الولد.

( أ ) - في الضرب على الوجه مع تغيُّر لون الوجه فقط دون جرح أو كسر أو ورم أو مرض نعرض الجدول التالي:

الضريبة بالدينار

التغير الحاصل في البدن بسبب الضرب

دينار ونصف

إذا احمرَّ الوجه

ثلاثة دنانير

إذا اخضرَّ الوجه

ستة دنانير (163)

إذا اسودَّ الوجه

 

(ب) - في الضرب على البدن مع تغير لونه فقط كما تقدم نعرض الجدول التالي:

الضريبة بالدينار

التغير الحاصل في البدن بسبب الضرب

ثلاثة ارباع الدينار

إذا احمرَّ البدن

دينار ونصف

إذا اخضرَّ البدن

ثلاثة دنانير (164)

إذا اسودَّ البدن

 (ج) - في جرح الرأس والوجه نعرض الجدول التالي:

الضريبة

نوع الجرح في الرأس والوجه

بعير

إذا تقشَّر الجلد من دون إدماء

بعيران

إذا دخل الجرح في اللحم يسيراً وخرج الدم

ثلاثة أبعرة

إذا دخل الجرح في اللحم كثيراً ولم يبلغ الجلدة الرقيقة المغشية للعظم

أربعة أبعرة (165)

إذا دخل الجرح في اللحم كثيراً وقطَّعت اللحم الجلدة الرقيقة المغشية للعظم

 

خلاصة الدرس

أ - كظم الغيظ زينة المتقين ويكون بتحمل أسبابه والصبر عليها مع القدرة على المقابلة والانتقام وصاحبه أفضل الناس.

ب - ثمرة الحلم كظم الغيظ ويكون بالسيطرة على النفس حتى لا تذهب جراء الغضب إلى مخالفة الآداب أو التعدي من جديد. والالتزام بهذه الفضيلة موجب لرفعة الإنسان وإكرامه.

ج - للكظم نتائج عديدة وهي: عز الدينا والآخرة، رضا اللَّه سبحانه، الأمن والإيمان، أجر الشهيد، الجنة والشفاعة، مرافقة الأنبياء، الفوز بالسلامة، غرف الجنة، موت الأضغان، واختيار الحور العين.

أسئلة حول الدرس

1 - تحدث عن دور كظم الغيظ في تربية الإنسان؟

2 - ماذا تعرف عن سيرة السجاد عليه السلام في كظمه للغيظ؟

3 - ما العلاقة بين الحلم والكظم؟

4 - كيف يتخلص المؤمن من المقابلة بالمثل؟

5-  ما هي سبل ابتغاء الرفعة والكرامة في هذا المجال؟

6 - اذكر بعض نتائج كظم الغيظ؟

7 - هل هناك ثمرات دنيوية للكظم أو لا؟

للحفظ 

قال تعالى: « والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واللَّه يحب المحسنين» (166).

عن الصادق عليه السلام : « نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها، فإن عظيم الأجر البلاء وما أحب اللَّه قوماً إلا ابتلاهم» (167).

للمطالعة

لا أنا باقر!

قال نصراني للإمام الباقر عليه السلام مستهزئاً به: أنت بقر! فقال الإمام عليه السلام بكل برودة وبسط وجه: لا أنا باقر!

النصراني  تنقيصاً من كرامة الإمام عليه السلام : أنت ابن الطباخة!

الإمام عليه السلام بكل طلاقة وجه : ذاك حرفتها!

النصراني  شتماً للإمام عليه السلام وتهيجاً لغضبه أنت ابن السوداء الزنجية البذية!

الإمام عليه السلام صفحاً: إن كنت صدقت غفر اللَّه لها، وإن كنت كذبت غفر اللَّه لك!

فلما رأى النصراني حلم الإمام الباقر عليه السلام أعلن أسلامه.

إننا يجب علينا أن نقتدي بهؤلاء الأئمة، ونبني على سيرتهم مناهج حياتنا، ونسير على هداهم... ولكن هل ترى مثل ذلك في واحد منا؟

إننا لو قيل لنا: من أنت؟

نحتدم غيظاً، ونجعل هذه الكلمة سوءاً من عدو، ننتقم ممن فاه بها ملأ استطاعتنا وقدرتنا وفيما روي عن حلم الإمام السجاد عليه السلام وكظمه للغيظ: أن رجلاً سبّ الإمام السجاد عليه السلام ، فأغضى الإمام عليه السلام عنه حتى يشعر بأنه لم يسمع. فسبّه مرة ثانية. والإمام ساكت، مغض عنه. ثم سبّه مرة ثالثة، والإمام عليه السلام ساكت. فلم يتحمّل الرجل سكوت الإمام عليه السلام فقال للإمام: إياك أعني.

فأجابه الإمام عليه السلام : وعنك أغضي.

وروي في المكارم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو يسمّيه فيأخذه، فيضعه في حجره تكرمة لأهله، وربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين بال فيقول صلى الله عليه وآله وسلم لا تزرموا بالصبي، فيدعه يقضي بوله ثم يفرغ له من دعائه وتسميته ويبلغ سرور أهله ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيّهم فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده (لئالى‏ء الأخبار).






 

الدرس التاسع : القناعة

« اللهم إنما يكتفي المكتفون بفضل قوتك، فصل على محمد وآله واكفنا، إنما يعطي المعطون من فضل جدتك فصل على محمد وآله وأعطنا (168) .. اللهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص وقلة القناعة (169) اللهم.. وأعذني من سوء الرغبة وهلع أهل الحرص، وصوّر في قلبي مثال ما ادخرت لي من ثوابك، وأعددت لخصمي من جزائك وعقابك واجعل ذلك سبباً لقناعتي بما قضيت » (170).

الصحيفة السجادية  

 أ - في رحاب الدعاء:

القناعة عز وعفاف، وأطيب العيش، وعنوان الرضا، وسيف لا ينبو، وغنى عما في أيدي الناس، وكنز لا يفنى، وعون على صلاح النفس، وصحة الجسم وعلامة الأتقياء وشعار الأولياء وسبيل الصلحاء.

فمن الطبيعي جداً أن تكون محل اهتمام مولانا زين العابدين عليه السلام في دعواته التي نتربّى عليها كنهج أخلاقي فريد وكذلك يجدر بالمؤمن أن يستعيذ باللَّه من قلة القناعة وشدة الحرص لأنه لن يهنأ بالعيش أو يرتاح في الحياة ما دام مصاباً بداء الحرص وعدم القناعة حيث لا تكتب السعادة معهما، فإنه لما سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قوله تعالى: « فلنحيينه حياة طيبة » قال: هي القناعة (171) وتعني الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال وغيره من أمور الدنيا وهي من أعظم الوسائل للوصول إلى السعادة الأبدية والقنوع مرتاح البال متفرغ إلى الاشتغال بأمر الدين وسلوك الآخرة.

فعن النبي صلى الله عليه و آله و سلم : «خير المؤمنين القانع، وشرّهم الطامع » (172).

وفي صفة الأنبياء عليهم السلام : « ولكن اللَّه سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى » (173).

ومما قاله أحد الشعراء في القناعة:

ولقد طلبت رضا البرية جاهداً      فإذا رضاهم غاية لا تُدركُ‏

وأرى القناعة للفتى كنزاً له       والبرّ أفضل ما به يتمسكُ‏

ب - كيف السبيل إلى القناعة؟

إن كثيراً من الشمائل يتشوق الواحد منّا إليها غير أن ما يحيط به لا يساعده على الاتصاف بها ويجهل السبيل إليها، فهل يا ترى ثمة ما يعاونه على ذلك؟ وإلى ماذا يمكن ارشاده لتتحقق الدوافع الحقيقية والشروط اللازمة فترتفع الموانع والظروف التي تحول بينه وبين القناعة ويتسنى له أن ينعم بهذا العزّ والشرف؟ تعال معي إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام لنهتدي بنورها الذي لا يخبو إلى الأبد فمن جملة ما جاء عن الصادق عليه السلام انظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك (174) يدلنا عليه السلام إلى الطريقة الصحيحة في النظر إلى مقدرات الناس وإمكانياتهم المادية، التي تؤدي إلى مساعدة الإنسان على إمساك زمام نفسه وعدم تماديها وذلك أن يكون الرضا سيّد الموقف عندما ينظر إلى من هم دونه في الامكانيات المالية فيشكر اللَّه سبحانه أنه أعطاه وحباه وحاله أفضل من حال غيره وما هو متاح له ليس متاحاً لمن هم دونه وهذا ما يوجب قناعته ورضاه بما قسمه اللَّه عزّ وجلّ وأما إذا نظر إلى من هم فوقه فإنه لن يقنع بما هو عليه ولن تشبعه خزائن الدنيا فهو فقير وإن ملك الكثير والقانع غني وإن ملك اليسير.

بينما في الجوانب المعنوية يكون مأموراً بالنظر إلى من هم فوقه من أهل الطاعات والكرامات وراغباً في التقدم متهماً نفسه دائماً بالتقصير يسعى لتهذيب نفسه وتأديبها وترويضها ومن عرف نفسه لزم القناعة يقول مولى المتقين عليه السلام : «ينبغي لمن عرف نفسه أن يلزم القناعة والعفّة» (175).

ويرشدنا الإمام الصادق عليه السلام كذلك إلى معنى آخر يساعدنا على القناعة لمّا شكى إليه رجل أنه يطلب فيصيب ولا يقنع وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه وقال: علّمني شيئاً انتفع به فقال عليه السلام : «إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك» (176).

ومن الأمور الهامة أن لا ينظر إلى ما عند غيره من متاع الدنيا الزائلة ويتمنى زواله عنهم وصيرورته له فذلك أمر ذميم وكذلك لا يتمنى ما لا يناله حينما يسرح خياله بين الأودية والجبال ويعيش في الأحلام الخادعة التي لا طائل منها.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « اقنع بما قسم اللَّه لك ولا تنظر إلى ما عند غيرك ولا تتمنّ ما لست نائله، فإنه من قنع شبع ومن لم يقنع لم يشبع وخذ حظك من آخرتك » (177).

ج - ما هي فوائد القناعة؟

للقناعة نتائج عظيمة وفوائد عديدة نذكر منها ما يلي:

1 - صلاح النفس:

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «أعون شي‏ء على صلاح النفس القناعة» (178).

2 - راحة البال والبدن:

في الحديث: «من قنع لم يغتمّ» (179).

وعن الحسين عليه السلام : «القنوع راحة الأبدان» (180).

3-  الحساب اليسير:

عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم : «اقنع بما أوتيته يخفّ عليك الحساب»(181).

4 - الكفاية والرضا:

 عن أمير المؤمنين عليه السلام : «ثمرة القناعة الاجمال في المكتسب والعزوف عن الطلب»(182).

5 - العز والهناء:

 في الحديث: «ثمرة القناعة العز» (183) «القناعة أهنأ عيش» (184).

ولقد أجاد من قال:

   خيار الناس من لزم القناعهْ       ولم يكشف لمخلوق قناعهْ‏

أفادتنا القناعة كل عزٍ             ولا عز أعز من القناعهْ‏

من فقه الإسلام

س: هل يصح بيع الخمر أو لحم الخنزير أو أي محرم الأكل ممن يستحله أو أهداؤه له؟

ج: لا يجوز بيع ولا اهداء ما لا يحل أكله أو شربه إذا كان لغرض الأكل والشرب، أو مع علمه بأن المشتري يريد أن يأكله أو يشربه ولو كان ممن يستحل ذلك.

 س: هل يجوز بيع الدم ممن يستفيد منه؟

ج: لا مانع منه إذا كان لغرض عقلائي مشروع.

 س: هل يجوز التكسب بتصليح شاحنات حمل الخمور؟

ج: إذا كانت الشاحنات معدة لنقل الخمور فلا يجوز الاشتغال بتصليحها.

س: إذا كان هناك شخص يبيع الخمر ومشروبات أخرى محللة فهل يجوز شراء المشروبات المحللة منه؟ وهل الأموال التي تؤخذ منه مما بقي من الثمن المدفوع إليه حلال أن حرام؟

ج: لا يجوز شراء شي‏ء من محله حتى المشروبات المحللة بعدما كانت أمواله مختلطة بالحرام من أجل اكتسابه ببيع الخمر، إلا إذا أحرز أنه اشترى المشروبات المحللة بمال حلال، وكذا لا يجوز أخذ ما لديه من النقود المختلطة بالحرام.

س: هل يجوز العمل في نقل المواد الغذائية في حال وجود لحم غير مذكى ضمنها؟

ج: لا يجوز نقل غير المذكى لمن يريد الأكل، بلا فرق بين كون المشتري مستحلاً لأكله وغيره (185).

خلاصة الدرس 

أ - القناعة تؤدي إلى رغد العيش وعزة النفس وراحة البال والسعادة الأبدية وهي سبيل الأولياء والأتقياء.

ب - من السبل التي أرشدنا أهل البيت عليهم السلام إليها في التحلي بالقناعة النظر إلى من هو دوننا في الإمكانيات المالية لا النظر إلى من هو فوقنا لأن ذلك مطلوب في الأمور المعنوية.

ج - من ثمرات القناعة: صلاح النفس، راحة البال والبدن، الحساب اليسير، الكفاية والرضا، والعز والهناء.

أسئلة حول الدرس

1 - تكلم عن أهمية القناعة؟

2 - ما معنى قوله تعالى (فلنحيينّه حياة طيبة)؟

3 - ما دور القناعة في السلوك إلى اللَّه؟

4 - ما هو السبيل المساعد على التحلي بالقناعة؟

5 - هل هناك سبل أخرى؟

6 - لماذا نهانا الإمام عليه السلام عن النظر إلى ما عند الغير؟

7 - عدّد ثمرات القناعة؟

8 - ما هي الفائدة الأهم بنظرك من الفوائد المذكورة؟

للحفظ

قال تعالى: « من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزيّنهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون » (186).

عن أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل.. يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، وإن أعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع » (187).

للمطالعة

 شكوى أهل حمص!

كتب الغزالي في « إحياء العلوم » أن شخصاً بُعث إلى « حمص » والياً عليها، وبعد مدة من الزمن شكاه أهلها، فطلبه الوالي للمثول أمام القاضي في المدينة دون أن يلاقي أحداً من الناس، فحمل الوالي أسبابه على رأسه وسار ماشياً من حمص ليصل إلى المدينة ومن ثم ليدخل مسجدها الذي هو عبارة عن دار قضائها، فقال له القاضي: شكاك أهل حمص بثلاث، وعليك أن تجيب:

1 - يقولون: إنك تخرج من دارك صباحاً متأخراً، لتصل إلى عملك متأخراً أيضاً.

فقال: صحيح ما قالوا.

2 - يقولون: إنك موجود في النهار ومفقود في الليل.

فقال: صحيح ذلك.

3 - أما الشكاية الثالثة، فهي أنك تغيب في أحد أيام الأسبوع نهاره وليله.

فقال: صحيح ما قالوا.

أما الإجابة على تلكم الشكاوى، فهي:

أن خروجي متأخراً صباح كل يوم يرجع في الأساس إلى أنني تقاسمت مع زوجتي أعمال المنزل، فصار الخبز من نصيبي، وبسبب ذلك أتأخر عن الخروج من الدار كيما يختمر العجين لأخبزه، وإنني أشرع بعجنة بعد صلاة الصبح، فأتأخر بعض الشي‏ء عن الوصول إلى دار الإمارة.

أما غيابي في الليل: فقد قسمت وقتي بين الناس والباري تعالى، فأعطيت جهدي في النهار للناس، وسكن قلبي للَّه عندما تغفو العيون أملاً أن أجد علاقة مع اللَّه تعينني على قضاء حوائجي.

أما اليوم الذي لا أخرج فيه أبداً من داري والذي لا يراني الناس فيه لا نهاراً ولا ليلاً فسببه عدم إمتلاكي ملبس آخر، لذا أكون مضطراً للبقاء في الدار بعد أن تغسل امرأتي جميع ألبستي، وبما أن الجوَّ بارد بعض الشي‏ء في حمص، ولا تجفّ‏ُ الملابس بسرعة أبقى ملازماً لمنزلي طيلة النهار وجزءً من الليل.

وعندها منحه القاضي جائزة، وقال له: إرجع إلى عملك مؤيداً منصوراً.

فرجع الوالي إلى حمص، وقبل أن يذهب إلى داره، ذهب إلى المسجد وقال للمؤذن قل للناس: إن الوالي أصبح ثرياً، وإن الأموال لا تتعلق ببيت المال، فمن أراد أن يصيبه شي‏ء من ذلك من الفقراء والمساكين فليأت وليأخذ سهمه.

فجاء الناس إلى المسجد ليحظوا بالأموال التي كان يوزعها الوالي دون أن يحصيها، فقد كان يدفع بها إليهم قبضات قبضات؛ وما إن فرغ من ذلك بعد أن أخذ الجميع ما طلبوا، بقي من الأموال نزر يسير حمله وسار إلى منزله، وهناك حكى لامرأته ما حصل فباركت له الأمر وقالت له: اشتر لنا بما بقي من النقود خادمة تساعدني في أمر الخبز كي لا يشكوك الناس ثانية بسبب تأخرك صباحاً، فقال: إن للنقود مكاناً آخر ولم يكن يعلم لها شيئاً  ولم تمض عدة أيام حتى جاءه أحد المساكين ليعطيه ما عنده من النقود ثم يلتفت لزوجته فيقول لها: إن عملنا في الدار وتعبنا سيؤول إلى زوال، ولكن الصدقة ستبقى ثابتة وباقية لنا عند الباري تعالى، وهذا أفضل من بقاء المال الزائل في الدار ففرحت الزوجة بحديثه الصائب وباركت له حسن نيّته (جهاد النفس للأستاذ مظاهري).






 

الدرس العاشر : كف الأذى

« اللهم صل على محمد وآله.. وامنعني عن أذى كل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة (188) .. اللهم إني أعوذ بك من ملكة الحمية (189) اللهم إني أعوذ بك من مباهات المكثرين (190) اللهم صل على محمد وآله.. واعصمني من الفخر »(191).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

في هذه الفقرة المباركة يشير عليه السلام إلى قبح إيذاء المؤمن أو المؤمنة وهو أمر عدّه الفقهاء من كبائر الذنوب ونطق به الكتاب في قوله عز من قائل: «والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً » (192) فأيما مؤمن يعمل راجياً ما عند اللَّه من الثواب في عمله وخائفاً من العقاب، يخشى ربّه ويراقب نفسه في سرّه وعلانيته عليه الابتعاد كل البعد عن المواطن المسببّة لإيذاء الآخرين سواء كان الايذاء في القول أو العمل أو الموقف أو أي شكل من الأشكال، حيث لا يجوز أن يصدر منه هكذا أمر فضلاً عن أن يكون سبباً من الأسباب المؤدية إلى الإيذاء والتحذير منه شديد سواء ما في الآيات كما تقدم أو الروايات كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «من آذى مؤمناً فقد آذاني » (193)، فالذي يؤذي أي مؤمن من إخوانه فهو لا يؤذيه وحده فحسب بل الأذية والاعتداء يصلان إلى نفس النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وما أقبح أن يكون الرجل مؤذياً لنبيه صلى الله عليه و آله و سلم عن طريق إيذاء أخيه، وهناك تعابير أخرى في ألسنة الروايات لا تقل أهمية عما ذكر بما يستفاد منها إن من يؤذي أخاه فقد أعلن محاربة الخالق عزّ وجلّ أو جهّز لمحاربته كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « قال اللَّه تبارك وتعالى: من أهان لي ولياً فقد أرصد لمحاربتي » (194).

ب - الإيذاء ذل وهوان :

قد يخبر رجل صديقه بأن ثالثاً قد تناوله وتحدث عنه بما لا يرضيه فيبادر إلى اتخاذ قرار بإيذائه دون تثبت أو تبيّن أو مكاشفة ويُحاول ازعاجه والتضييق عليه في عمله وربما اطلاق الشتائم والكلمات المعرّضة به ظناً منه أنه بذلك يسعى إلى اعزاز نفسه واذلال الآخر وإهانته مع أنه لم يعلم شي‏ء عن حاله أنه تعرض له بالسوء أولا وعلى اسوء التقادير لو كان ذلك فإن خلق المؤمن يدعوه إلى العفو والصفح الجميل أو تكذيب الواشي الذي يبغي الفتنة والوقيعة بين الطرفين وعدم اعارة إذن له لا أن تأخذ منه حمية العصبية مأخذها ويطلق العنان للنفس في جموحها وطغيانها لتستبيح من كرامة الآخرين ما تستبيحه ويكون الايذاء وسيلة إلى اعادة الاعتبار لأن كل ذلك هراء حيث لا يمكن أن يكون المؤذي عزيزاً والمهين كريماً بل هو على الدوام ذليل ووضيع كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عنه: «أذل الناس من أهان الناس» (195)، وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «لا يحل لمسلم أن يروّع مسلماً» (196).

فالواجب على الإنسان إذا واجه مشكلة من هذا القبيل أن يعالجها بالشكل الايجابي كما علمنا أئمتنا عليهم السلام : «ضع أمر أخيك على أحسنه.. إن المؤمن لا يتهم أخاه المؤمن.. كذّب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة، أنه قال وقال: لم أقله فصدقه وكذبهم» (197).

ولا يسوغ لمجرد السماع أن يبادر المؤمن إلى الاهانة اللسانية أو الايذاء بأي نحو كان لأنه ليس ثمة كرامة أو مكانة انتهكت وإنما يكون ذلك باعتماد هذا الأسلوب المذموم.

ج - الصبر على الأذى فوز وكرامة:

ربما يتأذى أحدنا من غيره حين يعمد إلى الاعتداء عليه من خلال غصبه بعض حقوقه أو وصفه بما لا يليق به وهنا مشكلة ثانية غير الأولى فما السبيل الذي ينبغي اتباعه؟

والجواب هو التحمل والصبر على الأذى الذي هو سبيل الصالحين وخُلُق الأنبياء والصديقين قال تعالى: « والذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرنّ عنهم سيئاتهم » (198) وهنا لا بد أن يكون الصبر لوجه اللَّه تعالى ورجاء نيل رضاه والقرب منه.

ولنا بذلك اسوة برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الذي تحمل ما تحمل من ألوان العذاب والايذاء فصبر وشكر ولم يأل جهداً عن متابعة مهمته الإلهية في نشر رسالة الإسلام حتى قال‏صلى الله عليه وآله وسلم : « ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في اللَّه » (199).

د - كفّ الأذى من كمال العقل:

إذا أردنا أن نقرأ شخصية ما من جانب الاتّزان والعقلانية يمكننا ذلك من خلال الاطلاع على سيرتها في العلاقة مع الآخرين فإن كانت تبادر إلى إيذائهم فهي ناقصة وإن كان الآخرون آمنين من آذاها، راضين عن العلاقة معها لأنها لا تعتدي فهي كاملة وناجحة ولها عقل راجح ومن الصحيح تقويمها على ضوء ذلك إضافة إلى ثوابت الشخصية المؤمنة.

يقول مولانا زين العابدين عليه السلام : «كفّ الأذى من كمال العقل وفيه راحة للبدن عاجلاً وآجلاً» (200).

هـ - جزاء ايذاء المؤمن:

1-  محاربة اللَّه له: عن الصادق عليه السلام : «قال اللَّه عزّ وجلّ: ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن» (201).

2 - إخافته يوم القيامة: يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم : «من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه اللَّه تعالى يوم لا ظل إلا ظله»(202)

3 - لا كفارة له: في الحديث: « من أحزن مؤمناً ثم أعطاه الدنيا لم يكن ذلك كفارته ولم يؤجر عليه » (203).

و - ما يترتب على كف الأذى:

1 - الفوز بالنعيم المقيم :

عن الصادق عليه السلام : « فازوا واللَّه الأبرار، أتدري من هم؟ هم الذين لا يؤذون الذر »(204).

2 - كف الأيادي عنه:

 في الحديث: «من كف يده عن الناس فإنما يكف عنهم يداً واحدة ويكفون عنه أيادي كثيرة»(205).

3 - راحة البدن عاجلاً وآجلاً:

 كما تقدم الحديث عن مولانا السجاد عليه السلام حيث قال: «كف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً»(206).

4 - التصدّق على نفسه:

 يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «كف أذاك عن الناس فإنه صدقة تصدّق بها على نفسك»(207).

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم اعداد وبيع الصور المنسوبة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام من أجل وضعها في  المراكز الحكومية؟

ج: لا مانع فيه شرعاً في نفسه ولكن بشرط أن لا يشتمل على أمور تسبب الإهانة والهتك بنظر العرف وأن لا يتنافى مع شأن أولئك العظماء عليهم السلام (208).

 س: هل يجوز إتباع الانكار بالسب والكذب والاهانة؟

ج: لا يجوز اشفاع الانكار بما يحرم وينكر كالسب والكذب والإهانة، نعم لو كان المنكر مما يهتم به الشارع ولا يرضى بحصوله مطلقاً كقتل النفس المحترمة وارتكاب القبائح والكبائر الموبقة جاز، بل وجب المنع والدفع ولو مع استلزامه ما ذكر لو توقف المنع عليه(209).

س: لو ترك الزوج بعض حقوق زوجته أو همّ بطلاقها لكراهته لها فبذلت له مالاً أو بعض حقوقها الواجبة لاستمالته هل يصح ذلك ويحل له؟

ج: لو ترك الزوج بعض حقوقها الغير الواجبة أو هم بطلاقها لكراهته لها لكبر سنها أو غيره أو هم بالتزويج عليها فبذلت له مالاً أو بعض حقوقها الواجبة من قسم أو نفقة استمالة له صح ذلك وحلّ له، وأما لو ترك بعض حقوقها الواجبة أو آذها بالضرب أو الشتم وغير ذلك فبذلت مالاً أو تركت بعض حقوقها ليقوم بما ترك من حقها أو ليمسك عن أذيتها أو ليخلعها فتخلص من يده حرم عليه ما بذلت وإن لم يكن من قصده إلجاؤها بالبذل على الأقوى(210).

خلاصة الدرس 

أ - حذّر الإسلام من ايذاء المؤمنين وعدّه الفقهاء من كبائر الذنوب كما هو صريح الروايات وهو ايذاء لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم .

ب -لا يجلب الإيذاء عزاً ولا يرد اعتباراً لصاحبه بل هو ذل وهوان وأذل الناس من أهان غيره.

ج - يعتبر الصبر على الأذى وتحمله فوزاً وكرامة للمؤمن ولا تؤدي أساليب التعذيب والقهر إلى نقصان ذرة من مكانته بل على العكس تزيده رفعة كلما صبر عليها.

د - كف الأذى دليل على كمال العقل والايذاء دليل على نقصانه.

هـ - من آذى مؤمناً حاربه اللَّه وأخافه يوم القيامة ولا كفارة له.

و - مما يترتب على كف الأذى: الفوز، كف الأيادي، راحة البدن، والتصدق على النفس.

أسئلة حول الدرس

1 - ما هو موقف القرآن من إيذاء المؤمن؟

2 - هل إيذاء المؤمن يسبب فعلاً ايذاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم ؟

3 - هل الإيذاء من الكبائر أو الصغائر؟

4 - ما علاقة العقل بكف الأذى؟

5 - أين العزة والذلة في الإيذاء؟

6 - ما هو جزاء من آذى مؤمناً؟

7 - ما يترتب على كف الأذى؟

للحفظ

قال تعالى: « ولقد كذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات اللَّه ولقد جاءك من نبأ المرسلين » (211).

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة»(212).

للمطالعة

قصة سعد بن معاذ!

وفي أمالي الصدوق بإسناده عن ابن سنان عن الصادق عليه السلام قال:

« اتي رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له: إن سعد بن معاذ (213) قد مات، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وقام أصحابه معه، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب، فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره تبعه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بلا حذاء ولا رداء؛ ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرّة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحده وسوى اللبن عليه، وجعل يقول: ناولوني حجراً؛ ناولوني تراباً رطباً، يسد به ما بين اللبن؛ فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأعلم أنه سيبلى  ويصل البلى إليه؛ ولكن اللَّه يحب عبداً إذا عمل عملاً أحكمه، فلما أن سوّى التربة عليه قالت أُم سعد: يا سعد هنيئاً لك الجنة. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : يا أُم سعد! مه، لا تجزمي على ربك. فإن سعداً قد أصابته ضمة. قال: فرجع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ورجع الناس؛ فقالوا له: يا رسول اللَّه لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء. فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء فتأسيت بها. قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة. قال: كانت يدي في يد جبرائيل آخذ حيث يأخذ، قالوا: أمرت بغسله وصليت على جنازته ولحدته في قبره ثم قلت: إن سعداً قد أصابته ضمة! قال: فقال صلى الله عليه وآله وسلم : نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء».






 

الدرس الحادي عشر : السّماح والعفو

« اللهم صل على محمد وآله، وسدّدني لأن.. أغضي عن السيئة (214) ... اللهم إني أعتذر إليك.. من مسيى‏ء اعتذر إليّ فلم أعذره (215) .. اللهم وأيما عبد نال مني ما حظرت عليه وانتهك مني ما حجرت عليه، فمضى بظلامتي ميتاً، أو حصلت لي قبله حياً.. فاغفر له ما ألمّ  به مني، واعف له عما أدبر به عني، ولا تقفه على ما ارتكب فيّ، ولا تكشفه عما اكتسب بي، واجعل ما سمحت به من العفو عنهم، وتبرّعت به من الصدقة عليهم أزكى صدقات المتصدقين وأعلى صلات المتقربين وعوّضني من عفوكِ عنهم عفوك » (216).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

العفو فضيلة أكثر أهل البيت عليهم السلام دعوة الناس إليها واعتبروها سبباً رئيساً في استقرار المجتمعات وثباتها، وركناً في الاصلاح البشري والتعايش ومن ذلك ما ورد في هذا الدعاء المبارك لمولانا السجاد عليه السلام بأسلوب ساحر في البيان ورائع في ايصال المعاني إلى حيث تستقر في القلوب وتتمكن منها لتترجم فيما بعد سلوكاً عملياً، وبناءً نفسياً عاطفياً نابعاً من العقل والشرع معاً، فإذا كان المخلوق الضعيف قدّر له أن يعفو فكيف بالخالق العظيم الذي لا شك أنه سيعوّضنا من عفونا عمن ظلمنا عفوه عنّا لأنه أكرم بالعفو، ومما ورد عن العترة الطاهرة عليهم السلام في أهمية العفو ما عن أمير المؤمنين‏عليه السلام العفو تاج المكارم (217) العفو أعظم الفضيلتين (218) شيئان لا يوزن ثوابهما: العفو والعدل (219) قلة العفو أقبح العيوب والتسرّع إلى الانتقام أعظم الذنوب (220).

وفي الحديث: «إذا أوقف العباد نادى منادٍ: ليقم من أجره على اللَّه وليدخل الجنة، قيل: من ذا الذي أجره على اللَّه؟ قال: العافون عن الناس» (221).

ب - العفو الجميل والعفو القبيح:

ليس بالامكان أن نقول أن العفو جميل في كل الموارد وعامة المواضيع وسائر شؤون العباد والبلاد، وعلى ضوء ذلك يقال ليس هناك عفو غير جميل، بل الصحيح أنه يوجد عفو قبيح حذّرنا منه الإسلام ولا يعتبر من الفضائل بل هو من الرذائل والذي لا بد من معرفته أنه ما هو الضابط الذي على ضوئه يصبح العفو جميلاً أو قبيحاً والجواب أن العفو بأصله جميل إلا ما ورد النهي عنه والتنبيه منه، والأمر الذي يعتبر قاعدة في المقام هو ما كان فيه العفو عنصر مساعدة على الاصلاح والبناء سواء من ناحية فردية أو جماعية من حيث كونه مقرباً إلى اللَّه سبحانه ومعاوناً على التزام خط الاستقامة فهو مطلوب ومرغوب وأما ما يشكل عنصر مساعدة على الانحراف وتشجيع على تكرار الاعتداء وانتهاك الحقوق لأنه كلما عفا صاحب الحق كرّر المعفو عنه الجرم مرة أخرى وهكذا فهو غير مرغوب ولا مطلوب بل ويقبح في مثل هذه المواطن. إلى حد يوجب استنكار الآخرين.

ومثال العفو الجميل ما روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لرجل شكى إليه خدمه: «اعف عنهم تستصلح به قلوبهم» فقال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إنهم يتفاوتون في سوء الأدب. فقال: «اعف عنهم» ففعل (222).

وفي هذا الحديث تصريح واضح أن الاستصلاح ركيزة في العفو عنهم. ومثال العفو القبيح ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : «جاز بالحسنة وتجاوز عن السيئة ما لم يكن ثلماً في الدين أو وهناً في سلطان الإسلام» (223) هنا أشار عليه السلام إلى عنوانين لا يحسن التجاوز عن السيئة فيهما:

الأول: الثلم في الدين وهو أمر لا يمكن الدعوة إلى تسبيبه على الاطلاق.

والثاني: الضعف في حكومة الإسلام وسلطته وكذلك هو أمر خطير نهانا اللَّه تعالى عنه.

وهناك عنوان ثالث عام أشار إليه مولانا السجاد عليه السلام وهو لزوم الضرر حيث قال: «حق من أساءك أن تعفو عنه وإن علمت أن العفو عنه يضرّ انتصرت قال اللَّه تبارك وتعالى: «ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل» (224).

ويجمع المعنيين للعفو حديث أمير المؤمنين عليه السلام حيث يكشف عن ضابطة الاصلاح والافساد مع الكريم في الأول ومع اللئيم في الثاني قائلاً: « العفو يفسد من اللئيم بقدر اصلاحه من الكريم » (225).

ج - العفو الأكبر والعفو الأصغر:

هناك نحوان من العفو كلاهما فضيلة أعد اللَّه تعالى على التحلي بها ثواباً عظيماً ومكانة عالية غير أن أحدهما أهم وأكبر وأحسن من الآخر وهو العفو مع القدرة أي حينما يقدر الإنسان أن يأخذ حقه من المعتدي وكانت الظروف ملائمة والشروط الشرعية متوفرة لكنه آثر أن يعفو عنه مع مقدرته عليه رجاء أن يعفو اللَّه عنه ورغبة في الثواب والنجاة من العقاب يوم الجزاء، والحث عليه في الروايات كثير فقد ورد: « أحسن العفو ما كان عن قدرة » (226)، « العفو مع القدرة جنة من عذاب اللَّه سبحانه » (227)، « أحسن أفعال المقتدر العفو » (228)، « أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة » (229)، « العفو زكاة القدرة » ,(230) « العفو زين القدرة » (231).

والنحو الثاني مهم لكنه أصغر من صاحبه وهو العفو حالة العجز الفعلي عن تحصيل الحق وإمكان تجدد القدرة في المستقبل على معاقبة المسيى‏ء إليه، فينوي أنه إذا قدر عليه أن يعفو عنه ويسقط حقه لقاء وجه اللَّه وإن كان في الحاضر غير قادر على مجازاته أو استيفاء ماله عنده من حقوق إلا أنه قد سامحه يقول تعالى: « الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واللَّه يحب المحسنين » (232).

ويقول الصادق عليه السلام : « إنا أهل بيت مروّتنا العفو عمن ظلمنا » (233).

ومما جاء في الحديث: « ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة؟ العفو عمن ظلمك وتصل من قطعك، والاحسان إلى من أساء إليك واعطاء من حرمك » (234).

د - آثار العفو:

1 - ذهاب الحقد والضغينة:

 يقول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : « تعافوا تسقط الضغائن بينكم » (235).

2 - إقالة العثرة يوم القيامة:

 عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « من أقال مسلماً عثرته أقال اللَّه عثرته يوم القيامة » (236).

3 - العزة في الدنيا والآخرة:

في الحديث: « من عفا عن مظلمة أبدله اللَّه بها عزاً في الدنيا والآخرة » (237).

4 - إطالة العمر:

روي: « من كثر عفوه مدّ في عمره » (238).

5 - النصر: يقول الرضا عليه السلام :

« ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفواً » (239).

6 - بقاء الملك:

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « عفو الملوك بقاء الملك » (240).

7 - النجاة من عذاب النار:

في الحديث: « تجاوزوا عن ذنوب الناس يدفع اللَّه عنكم بذلك عذاب النار » (241).

8 - الوقاية من سوء الأقدار:

عنه صلى الله عليه وآله وسلم : « تجاوزوا عن عثرات الخاطئين يقيكم اللَّه بذلك سوء الأقدار » (242).

9 - مغفرة اللَّه ورضوانه:

 من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام قبل أن تفيض روحه المقدسة: « إن ابقَ فأنا ولي دمي، وإن أفنَ فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فاعفوا ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم » (243).

10 - قصور مشرفة على الجنة:

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « رأيت ليلة أسري بي قصوراً مستوية مشرفة على الجنة فقلت: يا جبرئيل لمن هذا؟ فقال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس واللَّه يحب المحسنين » (244).

من فقه الإسلام

س: ما هي الاقالة وبأي لفظ تقع؟

ج: الاقالة حقيقتها فسخ العقد من الطرفين، وتقع بكل لفظ أفاد المعنى المقصود عند أهل المحاورة كأن يقولا: تقايلنا أو تفاسخنا أو يقول أحدهما: أقلتك فقبل الآخر، بل الظاهر كفاية التماس أحدهما مع إقالة الآخر.

 س: هل يعتبر في الاقالة اللفظ العربي؟

ج: لا يعتبر فيها العربية، والظاهر وقوعها بالمعاطاة بأن يرد كل منهما ما انتقل إليه إلى صاحبه بعنوان الفسخ.

 س: هل تصح الاقالة في النكاح؟

ج: لا تصح الاقالة في عقد النكاح.

س: هل يمنع تلف أحد العوضين من صحة الاقالة؟

ج: التلف غير مانع من صحة الاقالة، فلو تقابلا رجع كل عوض إلى مالكه، فإن كان موجوداً أخذه، وإن كان تالفاً يرجع إلى المثل في المثلي والقيمة في القيمي.

 س: هل تجوز الاقالة مع زيادة على الثمن المتفق عليه في العقد أو نقصان منه؟

ج: لا تجوز الاقالة بزيادة على الثمن المسمى ولا نقصان منه، فلو أقال المشتري بزيادة أو البائع بوضيعة بطلت وبقي العوضان على ملك صاحبهما.

 س: هل تصح الاقالة في بعض ما وقع عليه العقد لا في المبيع كاملاً؟

ج: تصح الاقالة في بعض ما وقع عليه العقد ويقسط الثمن حينئذٍ على النسبة (245).

خلاصة الدرس 

أ - العفو الجميل سبب مهم في اصلاح الإنسان واعمار المجتمعات واستقرارها وقد حثّ عليه الكتاب الكريم والسنّة الشريفة.

ب - العفو نحوان جميل وقبيح والأول ما كان عنصر مساعدة على الاصلاح وبه يتقرب إلى اللَّه سبحانه والثاني ما كان عنصر مساعدة على الافساد والتشجيع على تكرار المخالفات والجرائم من خلال التهاون وغض النظر.

ج - هناك عفو في الإسلام أكبر من الآخر وهو ما كان مع القدرة على المعاقبة، والأصغر ما كان مع عدم التمكن من ذلك وكلاهما فضيلة.

د  للعفو الممدوح آثار أخروية ودنيوية منها: ذهاب الضغائن، إطالة العمر، بقاء الملك، مغفرة اللَّه، والنجاة من عذاب النار. والعزة في الدنيا والآخرة.

أسئلة حول الدرس

 1 - ماذا تستفيد من الدعاء المتقدم؟

2 - من أين تنشأ أهمية العفو في حياة الأفراد والمجتمعات؟

3 - هل كل عفو ممدوح ومطلوب؟

4 - ما هو العفو الأكبر؟

5 - ما هي آثار العفو في الدنيا؟

6 - ما هي آثار العفو في الآخرة؟

للحفظ

قال تعالى: «إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن اللَّه كان عفوّاً قديراً» (246).

عن أمير المؤمنين عليه السلام : «شر الناس من لا يعفو عن الزلة ولا يستر العورة» (247).

للمطالعة

 ما دخلت المسجد إلا لأستغفر لك!

كان مالك الأشتر ماراً في سوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة من خام‏ أيضاً.. فرآه شخص يغلب عليه الطيش فاحتقره لثيابه العادية هذه.. ورماه ببندقة طين فلم يلتفت إليه الأشتر ومضى.

فقيل له: هل تعرف من رميت؟

قال: لا.. قيل: هذا مالك الأشتر صاحب أمير المؤمنين عليه السلام .

وقد كان حديث مالك بين الناس على كل شفة ولسان.

فارتعد الرجل.. وتبع الأشتر ليعتذر إليه.. فوجده قد دخل مسجداً.. وهو قائم يصلي.

فلما فرغ من صلاته وقع الرجل على قدميه يقبلهما فقال الأشتر: ما هذا..

قال: أعتذر إليك مما صنعت.

قال الأشتر: لا بأس عليك فواللَّه ما دخلت المسجد إلا لأستغفر لك.

(القصص العجيبة لدستغيب)

 من ينجيك مني يا محمد!

عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام قال: «نزل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً فجاء وشد على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ فقال: ربي وربك. فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: من ينجيك مني؟ فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه، فقام وهو يقول: واللَّه لأنت خير مني وأكرم» (الكافي، ج‏8).

الملك بهرام والراعي السارق!

حكي أن بهرام الملك خرج يوماً للصيد فرأى صيداً فتبعه وانفرد عن عسكره فمرّ براعٍ تحت شجرة فنزل لحاجة وقال للراعي: حافظ على فرسي، فعمد الراعي إلى عنانه الذهب وقطع أطرافه، فوقع نظر بهرام عليه فاستحيى وأطرق رأسه وأطال الجلوس حتى أخذ الرجل حاجته فقام بهرام واضعاً يديه على عينيه يقول للراعي: قدّم إليّ فرسي فقد دخل في عيني من سافي الريح فما أستطيع فتحها، فركب وسار حتى بلغ عسكره فقال لصاحب مراكبه: إن أطراف اللجام وقد وهبتها فلا تتهمنّ بها أحداً.

(لئالى‏ء الأخبار)






 

الدرس الثاني عشر : الحياء والعفاف

« ها أنا ذا يا إلهي.. سائلك على الحياء مني سؤال البائس المعيل (248) ... اللهم واجمع لي.. العفاف (249) .. اللهم .. جيراني وموالي العارفين بحقنا والمنابذين لأعدائنا.. وفقهم.. للأخذ بمحاسن أدبك في.. ستر عوراتهم واجعلني اللهم أغض بصري عنهم عفة » (250).

الصحيفة السجادية  

أ - في رحاب الدعاء:

صفتان هامتان للإنسان المؤمن، يشير إليهما الإمام السجاد عليه السلام ويؤكد عليهما هما: الحياء الذي هو سبب إلى كل جميل ومفتاح كل خير، والعفاف الذي هو أفضل العبادة ونعم القرين، وما من شك أن هاتين الخصلتين في رأس سلسلة مكارم الأخلاق ومن أعظم العوامل المساعدة على رقي النفس في مدارج الكمال والسداد، وفي المقابل فاقد الحياء مذموم ذماً شديداً على لسان أهل البيت عليهم السلام حتى ورد كما عن مولانا الصادق عليه السلام: «لا إيمان لمن لا حياء له» (251)، وعن مولانا الباقر عليه السلام: «الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه» (252) أي انه كلما فقد الإنسان الحياء فقد الإيمان وكلما فقد الإيمان فقد الحياء، فلا يكون أحدهما موجوداً دون الآخر، فهما إما موجودان معاً أو مفقودان معاً وأما الحثّ العفاف فهو كثير إضافة إلى ما نزل في الكتاب الكريم فقد جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا وإن لكل مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضي‏ء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد» (253).

وعنه عليه السلام في بيان منزلة العفيف وعظم شأنه: «ما المجاهد الشهيد في سبيل اللَّه بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة» (254).

ب - ما المقصود من الحياء والعفاف؟

الحياء: ملكة للنفس توجب انقباضها عن القبيح وانزجارها عن خلاف الآداب خوفاً من اللوم.

والعفاف: ترك المحرمات بل الشبهات أيضاً ويطلق غالباً على عفة البطن والفرج، والعفة حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة وتجعلها منقادة للعقل في الاقدام على ما يأمرها به من الطعام والشراب والنكاح والاجتناب عما ينهاها عنه، وهو الاعتدال الممدوح عقلاً وشرعاً، وطرفاه من الافراط والتفريط مذمومان.

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: «ثلاث أخافهن على أمتي من بعدي: الضلالة بعد المعرفة، ومضلاّت الفتن، وشهوة البطن والفرج» (255).

ومما روي أنه قال رجل للإمام الباقر عليه السلام: «إني ضعيف العمل قليل الصيام ولكني أرجو أن لا أكل إلا حلالاً، قال: فقال له: أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج» (256)؟!

ج - متى يكمل الحياء؟

حتى نجيب عن هذا السؤال لا بد لنا أن نستعرض أنحاء الحياء وهي ثلاثة:

النحو الأول:

حياء الإنسان من اللَّه تعالى: والباعث عليه العقل السليم والشرع المبين وحيث يرى اللَّه سبحانه أحق بأن يستحي منه لعظمة عزته وجزيل  نعمته، قال النبي صلى الله عليه وآله: «قلة الحياء كفر (257) وهذا الحياء يدعو إلى امتثال ما أمر اللَّه عزّ وجلّ به، وترك ما نهى عنه فتحصل بذلك السعادة الأبدية». وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله: «الحياء نظام الإيمان فإذا انحل نظام الشي‏ء تبدّد ما فيه وتفرّق» (258) وقيل له صلى الله عليه وآله: «كيف نستحي من اللَّه حق الحياء»؟ فقال صلى الله عليه وآله: «من حفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى ورفض زينة الحياة الدنيا وذكر الموت والبلى فقد استحى من اللَّه حق الحياء» (259)

النحو الثاني:

حياء الإنسان من الناس: وهو يبعث على كف الأذى وترك المجاهرة والمواجهة بالقبيح لهم.

يقول مولانا العسكري عليه السلام: «من لم يتق وجوه الناس لم يتق اللَّه» (260).

وفي الحديث أيضاً: «من لم يستحِ من الناس لم يستح من اللَّه سبحانه» (261).

ويجسّد هذا النحو من الحياء قول الشاعر:

ورب قبيحة ما حال بيني         وبين ركوبها إلا الحياء

إذا رزق الفتى وجهاً وقاحاً       تقلّب في الأمور كما يشاء

النحو الثالث:

حياء الإنسان من نفسه: وهو يبعث على العفة، والمحافظة على الأحكام الشرعية في الخلوات وحيث يكون سرّه كعلانيته ويكون اللَّه حاضراً في نفسه وناظراً إليه دائماً يكون الخير كله معه.

لذلك قال مولى المتقين عليه السلام: «أحسن الحياء استحياؤك من نفسك» (262).

وعنه عليه السلام: «من أفضل الورع أن لا تبدي في خلوتك ما تستحي من اظهاره في علانيتك» (263).

قال بعضهم:

فسرّي كإعلاني وتلك خليقتي        وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري‏

إذا اتضحت الانحاء الثلاثة للحياء أصبح بإمكاننا الجواب عن السؤال المطروح في بداية هذه الفقرة وهو أن الإنسان يكمل حياؤه حين يستحي من اللَّه تعالى والناس ونفسه التي بين جنبيه، حينئذٍ يمكن أن يقال أنه قد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر.

د - الحياء الممدوح والحياء المذموم:

الحياء الممدوح هو الاستحياء من الأمر القبيح كالسباب والاهانة والحياء المذموم هو الاستحياء من الأمر الحسن أو الواجب كمن يحتلم ثم لا يغتسل استحياءً من أهله في البيت مخافة أن يعرفوا بذلك، وكمن يستحي من السؤال عن واقعة محل ابتلاء له خوفاً من أن يعرف صاحبه بأنه جاهل بالمسألة وقد وردت روايات تشير إلى الحياء القبيح الذي من هذا القبيل.

قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: «الحياء حياءان: حياء عقل وحياء حمق، فحياء العقل هو العلم وحياء الحمق هو الجهل»(264).

هـ - لا حياء في ثلاث:

هناك أمور لا يجمل فيها الحياء وليس مرغوباً فيه عدّدها أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: «ثلاث لا يستحى منهن: خدمة الرجل ضيفه، وقيامه عن مجلسه لأبيه ومعلمه، وطلب الحقّ وإن قلّ»(265).

وعنه عليه السلام: «من استحى من قول الحق فهو أحمق»(266).

و - علاقة الحياء بالعفاف:

يجيبنا أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: «سبب العفة الحياء(267) على قدر الحياء تكون العفة»(268).

فالحياء إذن سبب العفاف، وطالما كان الحياء كاملاً من الأنحاء الثلاثة المتقدمة كانت العفة موجودة حيث تدور مداره وبهذا تبيّن وجه جمع الاثنين في درس واحد.

ز - آثار الحياء والعفاف:

 أما آثار الحياء فيقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في تعدادها: «أما الحياء: فيتشعب من اللين والرأفة والمراقبة في السر والعلانية والسلامة، واجتناب الشر، والبشاشة والسماحة والظفر، وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة اللَّه وخاف فضيحته»(269).

 وأما آثار العفاف فهي كما في حديثه صلى الله عليه وآله: «أما العفاف: فيتشعب منه الرضا والاستكانة والحظ والراحة والتفقد والخشوع والتذكر والتفكر والجود والسخاء فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه رضى باللَّه وبقسمه (270) اللهم ألبسنا الحياء فإنه أحسن ملابس الدنيا، وألبسنا العفاف فإنه أفضل شيم الأشراف، واحمنا عن موبقات الردى واجعل سعينا فيما ترضى يا أرحم الراحمين».

من فقه الإسلام

س: ما هو حكم الدبكة (وهي عبارة عن شك الأيادي وضرب الأقدام بالأرض بطريقة تحدث صوتاً متزامناً مع القفز والحركات الجسدية)؟

ج: حكم ذلك حكم الرقص، فإن كان بكيفية مثيرة للشهوة أو كان مع استعمال آلات اللهو بكيفية لهوية أو كان مما يترتب عليه الفساد فهو حرام وإلا لا بأس فيه.

 س: ما هو حكم انشاء مراكز لتعليم الرقص؟

ج: إنشاء مراكز التعليم وترويج الرقص يتنافى مع أهداف النظام الإسلامي.

 س: ما هو حكم رقص الطفل المميز في مجالس النساء أو الرجال سواء كان ذكراً أو أنثى؟

ج: الطفل غير البالغ سواء كان ذكراً أم أنثى لا تكليف عليه ولكن لا ينبغي للبالغين تشجيعه على الرقص.

س: ما هو حكم رقص المرأة للمرأة والرجل للرجل؟ ولو كان ذهابه إلى الأعراس احتراماً للأعراف الاجتماعية فهل هناك اشكال شرعاً لجهة احتمال حصول الرقص؟

ج: عموماً إذا كان الرقص بكيفية يؤدي إلى إثارة الشهوة أو يستلزم فعل محرم أو ترتب مفسدة فهو حرام، ولكن لا مانع من أصل المشاركة في الأعراس التي يحتمل حصول الرقص فيها ما لم تكن تأييداً لفاعل الحرام ولا موجبة للابتلاء بالحرام.

س: ما هو حكم رقص الرجال بشكل جماعات؟ وما هو حكم مشاهدة رقص الصغيرات في البرامج التلفزيونية وغيرها؟

ج: إذا كان الرقص بكيفية موجبة لإثارة الشهوة أو مستلزماً لفعل محرم فهو حرام، وأما النظر إليه فإن لم يستلزم تأييد العاصي وتجريه ولم تترتب مفسدة عليه فلا مانع منه(271).

خلاصة الدرس 

أ - الحياء جوهره الإيمان وهو تمام الكرم وأحسن الشيم وسبب للعفاف الذي هو أفضل العبادة وعلى قدره تكون القناعة.

ب - الحياء هو ترك القبائح مخافة اللوم والعذاب، والعفاف هو الانتهاء عن المحرمات والشبهات خصوصاً ما يتعلق بالأجوفين البطن والفرج.

ج - يكمل الحياء إذا كان في أنحائه الثلاثة مع اللَّه تعالى ومع الناس ومع النفس.

د - الحياء المذموم هو ترك الأمر الحسن خشية الناس وهو حياء الحمق.

هـ - لا ينبغي الحياء في خدمة الضيف وإكبار الأب والمعلم، وطلب الحق اليسير.

و - الحياء سبب العفاف وهو يدور مداره شدة وضعفاً.

ز - للحياء والعفاف آثار عدّدها النبي صلى الله عليه وآله منها: «اللين والرأفة والسلامة والظفر في الأول، والرضا والراحة والتفكر والتذكر في الثاني».

أسئلة حول الدرس

1 - ما دور الحياء والعفاف في حياة الإنسان؟ وماذا يعني كلّ منهما؟

2 - متى يكون الحياء كاملاً؟

3 - ما هو الحياء المذموم؟

4-  ما هي الموارد التي لا يجمل الحياء فيها؟

5 - ما هي العلاقة بين الحياء والعفاف؟

6 - ما هي آثار الحياء؟

7 - ما هي آثار العفاف؟

للحفظ 

قال تعالى: «وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم اللَّه من فضله»(272).

عن أمير المؤمنين عليه السلام: «من عفّت أطرافه حسنت أوصافه»(273).

للمطالعة

الغلام يعطي الكلب خبزاً!

ذهب الإمام الحسين عليه السلام ذات يوم مع أصحابه إلى بستانه، وكان في ذلك البستان غلام اسمه «صافي» فلمّا قرب من البستان رأى الغلام قاعداً يأكل خبزاً، فنظر الحسين إليه وجلس عند نخلةٍ مستتراً لا يراه وكان يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى الكلب ويأكل نصفه الآخر، فتعجّب الحسين من فعل الغلام، فلمّا فرغ الغلام من أكله قال: الحمد للَّه رب العالمين، اللهم اغفر لي، واغفر لسيّدي، وبارك له كما باركت على أبويه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

فقام الحسين عليه السلام وقال: يا صافي! فقام الغلام فزعاً وقال: يا سيّدي وسيّد المؤمنين! إنّي ما رأيتك. فاعفُ عنّي. فقال الحسين عليه السلام: اجعلني في حلّ‏ٍ يا صافي لأنّي دخلت بستانك بغير إذنك. فقال صافي: بفضلك يا سيّدي وكرمك وبسؤددك تقول هذا. فقال الحسين: رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب، وتأكل النصف الآخر، فما معنى ذلك؟ فقال الغلام: إنّ هذا الكلب ينظر إليّ حين آكل، فأستحي منه يا سيّدي لنظره إليّ، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، فأنا عبدك وهذا كلبك، فأكلنا رزقك معاً. فبكى الحسين وقال: أنت عتيق للَّه، وقد وهبت لك ألفي دينار بطيبةٍ من قلبي، فقال: إن أعتقتني فأنا أريد القيام ببستانك، فقال الحسين: إنّ الرجل إذا تكلّم بكلام فينبغي أن يصدّقه بالفعل، فأنا قد قلت دخلتُ بستانك بغير إذنك. فصدّقت قولي ووهبت البستان وما فيه لك، غير أنّ أصحابي هؤلاء جاؤوا لأكل الثمار والرطب، فاجعلهم أضيافاً لك، وأكرمهم من أجلي وأكرمك اللَّه يوم القيامة، وبارك لك في حسن خلقك وأدبك. فقال الغلام: إن وهبت لي بستانك فأنا قد سبّلته لأصحابك وشيعتك‏.

 (مقتل الحسين للخوارزمي) 

 





هامش


(1)د28.ص117.س10.

(2) د31.ص124.س13.

(3) د51ص219س8.

(4) سورة الجن.الاية/18.

(5) سورة البقرة.الاية/186.

(6)ميزان الحكمة. 5515.

(7) أجوبة الاستفتاءات .ج2.ص121-122.

(8) سورة غافر. الآية /60.

(9) مكارم الأخلاق.ص12.

(10) الصحيفة السجّادية، ص‏83.

(11) بحار الأنوار، ج‏68، ص‏382.

 (12)ميزان الحكمة, حديث/4994.

(13) م.ن. حديث/4989

(14) أمالي الطوسي، 227  140.

(15) المحجة البيضاء، ج‏5، ص‏96.

(16) غرر الحكم: 3404.

(17) ميزان الحكمة، حديث/5030.

(18) م.ن. حديث/5029.

(19) م.ن. حديث/5027.

(20) م. ن. حديث/5031.

(21) م. ن. حديث/5070.

(22) م.ن. حديث/5079.

(23) م.ن. حديث/5077.

(24) غرر الحكم/9131.

(25) الكافي، ج‏2، ص‏10، حديث 7.

(26) م.ن. ص ‏101، حديث 12.

(27) المحجة البيضاء، ج‏5، ص‏93.

(28) البحار، ج‏71، ص‏383، حديث 17.

(29) ميزان الحكمة، حديث 5013.

(30) مرآة الرشاد، ص‏82.

(31) أجوبة الاستفتاءات ج‏1، ص‏149.

(32) سورة إبراهيم، الآية/24.

(33) ميزان الحكمة، حديث/5023.

(34) د12، ص‏55، س أ.

(35) د53، ص‏225، س‏4.

(36) سورة الروم، الآية/60.

(37) سورة مريم، الآية/54.

(38) ميزان الحكمة، حديث: 21955.

(39)م.ن. 21956.

(40) م.ن. 21963.

(41) غرر الحكم: 9692.

(42) البحار، 20  97  75.

(43) سورة الصف، الآية:/3.

(44) غرر الحكم: 10297.

(45) ميزان الحكمة، حديث: 21974.

(46) نهج البلاغة: الكتاب 53.

(47) ميزان الحكمة: 21981.

(48) الخصال، ج‏1، البحار، ج‏72.

(49) الترغيب والترهيب: 12  9  4.

(50) مكارم الأخلاق، ج‏1، ص‏64.

(51) أصول الكافي، ج‏2، ص‏105.

(52) تحرير الوسيلة، ج‏2، ص‏124.

(53) سورة الإسراء، الآية/2.

(54) أصول الكافي، ج‏2، ص‏363.

(55) د42، ص‏159، س‏12.

(56) تحف العقول، 315.

(57) غرر الحكم: 5616.

(58)  

(59) م.ن. 3284.

(60) ميزان الحكمة، حديث:8400.

(61) م.ن. حديث: 8402.

(62) مشكاة الأنوار: 323.

(63) البحار: 72.

(64) البحار: 3  235  77.

(65) غرر الحكم: 10265.

(66) المحجة البيضاء، ج‏3، ص‏328.

(67) غرر الحكم: 10166.

(68) ميزان الحكمة، حديث: 8422.

(69) مستدرك سفينة البحار، ص‏15.

(70) ميزان الحكمة، حديث: 8404.

(71) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏108  107.

(72) سورة الجن، الآية/26.

(73) البحار، ج‏75، ص‏68، حديث: 2.

(74) ص‏40، س‏10.

(75) د6، ص‏41، س‏3.

(76) د6، ص‏41، س‏9.

(77) د20، ص‏81، س‏6.

(78) د6، ص‏41، س‏16.

(79) بحار الأنوار، ج‏36، ص‏79.

(80) ميزان الحكمة، حديث: 14183.

(81) تحف العقول، ص‏302.

(82) غرر الحكم: 9608.

(83) غرر الحكم: 3874.

(84) ميزان الحكمة، حديث: 14208.

(85) م.ن. 14209.

(86) م.ن. 14210.

(87) م.ن. 14211.

(88) م.ن. 14234.

(89) م.ن. 14213.

(90) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏83، س‏232.

(91) م.ن. س‏904.

(92) م.ن. س‏900.

(93) سورة فاطر، الآية/11.

(94) مكارم الأخلاق: 364.

(95)  د20، ص‏81، س‏8.

(96) د20، ص‏82، س‏1.

(97) د26، ص‏110، س‏1.

(98) سورة المائدة, الآية / 54.

(99) ميزان الحكمة، حديث: 21849.

(100) ثواب الأعمال، 1  294  2.

(101) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2-50-192.

(102) ميزان الحكمة، حديث: 21837.

(103) م.ن. حديث: 21838.

(104) نهج البلاغة، خطبة المتقين.

(105) البحار، ج‏78، ص‏59  7.

(106) غرر الحكم: 301.

(107) ميزان الحكمة، حديث: 21886.

(108) نهج البلاغة، الخطبة: 147.

(109) ميزان الحكمة، حديث: 21860.

(110)م.ن. حديث: 21861.

(111) م.ن. حديث: 21862.

(112) م.ن. حديث: 21872.

(113) م.ن. حديث: 21863.

(114) م.ن. حديث: 21864.

(115) م.ن. حديث: 21866.

(116) م.ن. حديث: 21868.

(117) م.ن. حديث: 21867.

(118) م.ن. حديث: 21870.

(119) أجوبة الاستفتاءات، ج‏1، ص‏148 147 146.

(120) سورة المائدة، الآية/54.

(121) تنبيه الخواطر، ج‏1، ص‏201.

(122) البحار، ج‏75، ص‏117.

(123) د20، ص‏87، س‏5.

(124) د38، ص‏147، س‏3.

(125) د20، ص‏81، س‏9.

(126) سورة الحشر، الآية/9.

(127) ميزان الحكمة حديث: 8.

(128) م.ن. 9.

(129) م.ن. 10.

(130) م.ن. 17.

(131) غرر الحكم: 6226.

(132) م.ن. 10745.

(133) م.ن. 1705.

(134) تنبيه الخواطر، ج‏1، ص‏173.

(135) نور الثقلين، 52  285  5.

(136) الخصال، 136  131  1.

(137) تنبيه الخواطر، ج‏173  1.

(138) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏126.

(139) سورة الإنسان، الآية/8.

(140) ميزان الحكمة، حديث: 16.

(141) د22، ص‏96، س‏2.

(142) د20، ص‏83، س‏10.

(143) د8، ص‏45، س‏1.

(144) سورة آل عمران، الآية/134.

(145) جامع السعادات، ج‏1، ص‏334.

(146) م.ن.

(147) شجّه أي جرحه.

(148) أمالي الصدوق، ص‏201.

(149) المحجة البيضاء، ج‏5، ص‏311.

(150) الغرر: 820.

(151) م.ن. 283.

(152) ينابيع الحكمة، ج‏4، ص‏503.

(153) م.ن. ص‏498.

(154) م.ن.

(155) م.ن.

(156) الوسائل، ج‏12، ص‏178، ب‏114، حديث 12.

(157) البحار، ج‏71، ص‏417.

(158) المستدرك، ج‏9، ص‏12، حديث 7.

(159) م.ن. حديث 8.

(160) م.ن ص‏14، حديث 15.

(161) ينابيع الحكمة، ص‏503.

(162) المحجة البيضاء، ج‏5، ص‏309.

(163) انظر الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، منشورات السفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ج‏2، ص‏539. الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين، ج‏2، ص‏394  395.

مغنية، فقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام، منشورات دار التيار الجديد، بيروت، ج‏6، ص‏344

(164) المصادر السابقة.

(165) الإمام الخميني رحمهم الله، تحرير الوسيلة، ج‏2، ص‏538. الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين، ج‏2، ص‏379  378. الخوئي، مباني تكملة منهاج الصالحين، ج‏2، ص‏379  378.

(166) سورة آل عمران، الآية/134.

(167) جامع السعادات، ج‏1، ص‏334.

(168) د5، ص‏36، س‏10.

(169) د8، ص‏45، س‏1.

(170) د14، ص‏63، س‏4.

(171) ميزان الحكمة، حديث: 17124.

(172) م.ن. 17142.

(173) م.ن. 17129.

(174) الكافي، ج‏8، ص‏244.

(175) ميزان الحكمة، حديث: 17158.

(176) الكافي، ج‏2، ص‏139.

(177) الكافي، ج‏2، ص‏337.

(178) ميزان الحكمة، حديث: 17161.

(179) م.ن. 17164.

(180) م.ن. 17163.

(181) م.ن. 17168.

(182) م.ن. 17159.

(183) م.ن. 17160.

(184) م.ن. 17174.

(185) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏11 10 9 8 7.

(186) سورة النحل، الآية: 97.

(187) ميزان الحكمة، حديث: 17127.

(188) د39، ص‏149، س‏2.

(189) د8، ص‏45، س‏3.

(190) د8، ص‏45، س‏6.

(191)  د20، ص‏81، س‏10.

(192) سورة الأحزاب، الآية/58.

(193) البحار، ج‏67، ص‏72.

(194) الكافي، ج‏2، ص‏351.

(195) أمالي الصدوق، 28.

(196) عيون أخبار الرضا عليه السلام   71  2.

(197) المصباح، ج‏2.

(198) سورة آل عمران، الآية: 195.

(199) ميزان الحكمة، حديث: 464.

(200) تحف العقول: 283.

(201) الكافي، ج‏2، ص‏350.

(202) البحار، ج‏75، ص‏150.

(203) م.ن.

(204) البحار، ج‏78، ص‏193.

(205) الخصال، ج‏1، ص‏17.

(206) تحف العقول، 283.

(207) البحار، ج‏75، ص‏54.

(208) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏42، س‏115.

(209) تحرير الوسيلة، ج‏1، ص‏478.

(210) تحرير الوسيلة، ج‏2، ص‏306.

(211) سورة الأنعام، الآية/34.

(212) ميزان الحكمة، حديث: 463.

(213) هو سعد بن معاذ بن النعمان الأشهلي الخزرجي أبو عمرو سيد الأوس توفي السنة الخامسة بعد غزوة الخندق بشهرين.

(214) د20، ص‏83، س‏8.

(215) د38، ص‏147، س‏2.

(216) د39، ص‏149، س‏4.

(217) ميزان الحكمة، حديث: 13170.

(218) م.ن. 13193

(219) م.ن. 13192.

(220) م.ن. 13194.

(221) م.ن. 13173.

(222) م.ن. 13222.

(223) م.ن. 13224.

(224) م.ن. 13225.

(225) كنز الفوائد للكراجكي، ج‏2، ص‏182.

(226) ميزان الحكمة، حديث: 13217.

(227) م.ن. 13215.

(228) م.ن. 13216.

(229) م.ن. 13209.

(230) م.ن. 13213.

(231) م.ن. 13214.

(232) سورة آل عمران، الآية/134.

(233) أمالي الصدوق، 238.

(234) الكافي، ج‏2، ص‏107.

(235) ميزان الحكمة، حديث: 13176.

(236) م.ن. 13179.

(237) م.ن. 13183.

(238) أعلام الدين: 315.

(239) الكافي، ج‏2، ص‏108.

(240) البحار، ج‏77، ص‏168.

(241) تنبيه الخواطر، ج‏2، ص‏120.

(242) م.ن.

(243) نهج البلاغة الكتاب، 23.

(244) ميزان الحكمة، الحديث: 13178.

(245) تحرير الوسيلة، ج‏1، ص‏509 (القول في الاقالة).

(246) سورة النساء، الآية/149.

(247) غرر الحكم: 5735.

(248) د12، ص‏53، س‏8.

(249) د47، ص‏201، س‏14.

(250) د26، ص‏109، س‏1.

(251) الكافي، ج‏2، ص‏105.

(252) ميزان الحكمة، حديث: 4565.

(253) نهج البلاغة، الكتاب: 45.

(254) ميزان الحكمة، حديث: 13118.

(255) الكافي، ج‏2، ص‏65.

(256) الكافي، ج‏2، ص‏64.

(257) نور الحقيقة، ص‏249.

(258) م.ن.

(259) م.ن.

(260) ميزان الحكمة، حديث: 4580.

(261) م.ن. 4581.

(262) غرر الحكم: 3114.

(263) م.ن. 9342.

(264) البحار، ج‏71، ص‏331.

(265) غرر الحكم: 4666.

(266) ميزان الحكمة، حديث: 4579.

(267) م.ن. 4557.

(268) م.ن. 4559.

(269) تحف العقول، ص‏17.

(270) م.ن.

(271) أجوبة الاستفتاءات، ج‏2، ص‏37.3635.34.

(272) سورة النور، الآية/33.

(273) غرر الحكم : 0950